Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع : رواية الشعر في العصر الجاهلي - الدرس (5)

  1. #1
    Administrator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    10,714
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    475

    مراجع : رواية الشعر في العصر الجاهلي - الدرس (5)

    ع1:
    رواية الشعر في العصر الجاهلي
    ج1:

    اهتم القدماء برواية الشعر, وحاولوا جاهدين أن ينفوا عنه الزيف وما وضعه الوُضَّاع متخذين إلى ذلك مقاييس كثيرة، وبلغ من حرصهم في هذا الباب أن أهمل ثقاتهم كل ما روي عن المتهمين أمثال: حماد وخلف، وكان الأصمعي خاصة لهم بالمرصاد, كما كان المفضل الضبي من قبله.
    وتتابع الرواة الأثبات بعدهما يحقّقون ويمحّصون في التراث, ومن أهمهم في هذا الجانب ابن سلام، فقد دوّن في كتابه "طبقات فحول الشعراء" كثيرًا من ملاحظات أهل العلم والدراية في رواية الشعر القديم من أساتذة المدرسة البصرية التي ينتسب إليها، وأضاف إلى ذلك كثيرًا من ملاحظاته الشخصية.
    وهذا الكتاب في الحقيقة هو أول كتاب أثار في إسهاب مشكلة الانتحال في الشعر الجاهلي، وقد ردّها إلى عاملين: عامل القبائل التي كانت تتزيّد في شعرها لتتزيد في مناقبها، وعامل الرواة الوضاعين، يقول: "لما راجعت العرب رواية الشعر, وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسن شعرائهم، ثم كانت الرواة بعد فزادوا في الأشعار".
    فالقبائل كانت تتزيد في أشعارها, وتروي على ألسنة الشعراء ما لم يقولوه، وقد أشار ابن سلام مرارًا إلى ما زادته قريش في أشعار الشعراء، فهي تضيف إلى شعرائها منحولات عليهم، وقد أضافت كثيرًا إلى شعر حسان.
    "ويذكر أن من أبناء الشعراء وأحفادهم من كان يقوم بذلك، مثل داود بن متمم بن نويرة، فقد استنشده أبو عبيدة شعر أبيه متمم، ولاحظ أنه لما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويضعها، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علم أبو عبيدة ومن كانوا معه أنه يفتعله".
    ولعل في هذا ما يدل على أن الرواة من مثل أبي عبيدة, كانوا يراجعون ما ترويه القبائل، وكانوا يرفضون منه ما يتبين لهم زيفه؛ إما بالرجوع إلى أصول صحيحة أو إلى أذواقهم، وما يحسنون من نقد الشعر ومعرفتهم بالشاعر ونظمه، ويسوق لنا ابن سلام شكًّا في قصيدة أبي طالب التي روتها قريش في أشعارها, والتي يمدح بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعنى ذلك: أنهم نظروا في شعر قريش, فقبلوا منه ورفضوا. وهم يفحصون ويحققون في شعر المدينة, كما فحصوا وحققوا في شعر قريش وغيرها من القبائل.
    ويقدم لنا ابن سلام طائفتين من الرواة كانتا ترويان منتحلًا كثيرًا وتنسبانه إلى الجاهليين؛ طائفة كانت تحسن نظم الشعر وصوغه وتضيف ما تنظمه وتصوغه إلى الجاهليين، ومَثَّل لها بحماد، وشبهه في ذلك جناد وخلف الأحمر, وطائفة لم تكن تحسن النظم، ولا الاحتذاء على أمثلة الشعر الجاهلي، ولكنها كانت تحمل كل غثاء منه وكل زيف، وهم رواة الأخبار والسير والقصص، من مثل ابن إسحاق راوي السيرة النبوية, إذ كانت تصنع له الأشعار ويدخلها في سيرته دون تحرز أو تحفظ، منطقا بالشعر العربي من لم ينطقوه من قوم عاد وثمود والعماليق, وطسم وجديس.
    ورفض ابن سلام والأصمعي وأضرابهما رواية الطائفتين جميعًا, فلم يقبلوا شيئًا مما يرويه أشباه حماد إلا أن يأتيهم من مصادر وثيقة، وكذلك لم يقبلوا شيئًا مما يرويه ابن إسحاق لا عن الأمم البائدة فحسب، بل عن عرب الجاهلية أنفسهم، إلا أن يجدوه عند رواة أثبات، يقول ابن سلام وقد ذكر أبا سفيان بن الحارث أحد شعراء قريش الذين كانوا يناقضون حسان بن ثابت وشعراء المدينة: "إن شعره في الجاهلية سقط ولم يصل إلينا منه إلا القليل", ثم علق على ذلك بقوله: "ولسنا نعد ما يروي ابن إسحاق له ولا لغيره شعرًا، ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذاك لهم".
    فهم كانوا يرفضون جملة ما يرويه ابن إسحاق وأشباهه من مثل عبيد بن شرية, وينحونه عن طريقهم, يقول ابن سلام: "وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة, ولا ما وضعوا, ولا ما وضع المولدون" مما حمله رواة القصص والأخبار من شعر غثّ, "لا خير فيه ولا حجة في عربيته, ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج, ولا مثل يضرب, ولا مديح رائع ولا هجاء مقذع, ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف".
    ففي الشعر الجاهلي منتحل لا سبيل إلى قبوله، وفيه موثوق به وهو على درجات منه ما أجمع عليه الرواة, ومنه ما رواه ثقات لا شك في ثقتهم وأمانتهم، من مثل: المفضل والأصمعي وأبي عمرو بن العلاء.
    وقد يغلب المنتحلُ الموثوقَ به، ولكن ذلك لا يخرج بنا إلى إبطال الشعر الجاهلي عامة، وإنما يدفعنا إلى بحثه وتمحيصه, مهتدين بما يقدم لنا الرواة الأثبات من أضواء تكشف الطريق.
    ع2:
    الانتحال في الشعر الجاهلي
    ج1:


    لقد لفتت قضية انتحال الشعر الجاهلي أنظار الباحثين المحدثين من المستشرقين والعرب، وبدأ النظر فيها نولدكه سنة 1864م.
    وتلاه آلوارد حين نشر دواوين الشعراء الستة الجاهليين: امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعلقمة وعنترة, فتشكك في صحة الشعر الجاهلي عامة، منتهيا إلى أن عددًا قليلًا من قصائد هؤلاء الشعراء يمكن التسليم بصحته، مع ملاحظة أن شكًّا لا يزال يلازم هذه القصائد الصحيحة في ترتيب أبياتها وألفاظ كل منها.
    وتابع كثير من المستشرقين آلوارد في موقفه الحذر من قبول كل ما يروى للجاهليين، أمثال: موير وباسيه وبروكلمان. وكان مرجليوث أكبر من أثاروا هذه القضية في كتاباته, إذ كتب فيها مقالًا مفصلًا نشره في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية بعدد يوليه سنة 1925م جعل عنوانه "أصول الشعر العربي The origins of Arabic Poetry" ونراه يستهله بموقف القرآن الكريم من الشعر, متحدثا عن بدء ظهوره ونشأته وآراء القدماء في ذلك.
    ثم ينتقل إلى الحديث عن حفظه، وينفي أن تكون الرواية الشفوية هي التي حفظته، فيقول: إنه لم تكن هناك وسيلة لحفظه سوى الكتابة، ثم يعود فينفي كتابته في الجاهلية ليؤكد أنه نُظم في مرحلة زمنية تالية للقرآن الكريم! ويقف بإزاء الرواة المتهمين أمثال: حماد وجناد وخلف الأحمر وما كان يطعن به بعض الرواة في بعض؛ ليزعم أن الوضع في هذا العشر كان مستمرًّا, ويقول: إنه لا يمثل الجاهليين الوثنيين ولا من تنصّروا منهم، فأصحابه مسلمون لا يعرفون التثليث المسيحي ولا الآلهة المتعددة، إنما يعرفون التوحيد والقَصَص القرآني، وما في الإسلام من مثل الحساب ويوم القيامة وبعض صفات الله. وفي كتاب "الأصنام" لابن الكلبي من الشعر الجاهلي ما ينقض زعمه نقضًا، أما الشعر المصبوغ بصبغة إسلامية بحتة فنسلم بأنه موضوع، ووضعُه ينحصر فيه ولا يبطل ما وراءه من أشعار جاهلية.
    وينتقل مرجليوث من ذلك إلى اللغة, فيلاحظ أنها لغة ذات وَحْدة ظاهرة، وهي نفس لغة القرآن الكريم التي أشاعها في العرب، ويقول: ولو أن هذا الشعر صحيح لمثّل لنا لهجات القبائل المتعددة في الجاهلية, كما مثّل لنا الاختلافات بين لغة القبائل الشمالية العدنانية واللغة الحميرية في الجنوب. ولغة القرآن الفصحى كانت سائدة في الجاهلية والشعراء منذ فاتحة هذا العصر, كانوا ينظمون بها وكانت لهجة قريش، وسادت بأسباب دينية واقتصادية وسياسية. فكان الشعراء ينظمون فيها متخلين عن لهجاتهم المحلية على نحو ما يصنع شعراء العرب في عصرنا على اختلاف لهجات بلدانهم وأقاليمهم.
    أما أن الشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الحميرية, فهذ طبيعي؛ لأنها ليست لغته، وقديمًا قال أبو عمرو بن العلاء: ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا, ولا عربيتهم بعربيتنا. وقد أخذت الفصحى تقتحم الأبواب على هذه اللغة في الجاهلية نفسها، بحيث نستطيع أن نقول: إن تعريب الجنوبيين بدأ منذ عهود مبكرة.
    وآخر أدلة مرجليوث على مزاعمه أن النقوش المكتشفة للممالك الجاهلية المتحضرة -وخاصة اليمنية- لا تدل على وجود أي نشاط شعري فيها, فكيف أُتيح لبدو غير متحضرين أن ينظموا هذا الشعر, بينما لم ينظمه من تحضروا من أهل هذه الممالك؟ ودحض بروينلش هذا الدليل؛ لأن نظم الشعر لا يرتبط بالحضارة ولا بالثقافة والظروف الاجتماعية, وهناك فطريون أو بدائيون لهم شعر كثير مثل الإسكيمو.
    والحق أن مرجليوث جانَبَه الصواب في دعواه؛ ولذلك هَبَّ كثيرٌ من المستشرقين يردّون عليه, مثل بروينلش ولايل، واحتج عليه الأخير في مقدمته للمفضليات بأن من وضعوا هذا الشعر -على فرض التسليم بذلك- كانوا يحاكون نماذج سابقة, وتقاليد أدبية موروثة قلّدوها وحاكوها.
    ونفس هذه المحاكاة تدل على وجود أصل كانوا يحاكونه؛ إذ لا يمكن أن يحاكوا شيئًا لم يبقَ منه ما يتيح لهم هذه المحاكاة، وإذن فلا بد أن يكون هناك شعر جاهلي عرفه الإسلاميون وحاكوه، وحقًّا دخله انتحال أمثال حماد وخلف، ولكن وراء انتحالهم شعر صحيح، ينبغي أن نهتدي في معرفته بالرواية الوثيقة وصفاته الشخصية والأسلوبية المميزة.
    ونراه يعود إلى هذا الموضوع في مقدمته لديوان عبيد بن الأبرص، فيؤكد أن رواية هذا الشعر استمرت حية نَشِطة من الجاهلية إلى أن دُوِّن نهائيًّا في العصر العباسي، وقد يكون أصاب قصائده بعض التغيير ولكن من يرجع إلى المعلقات مثلًا يجد لكل منها شخصيتها الواضحة التي تنفرد بها والتي تثبت أنها لصاحبها، وأعاد ما قاله في المقدمة الأولى من أن تقاليد شعر القرن الأول الهجري تُلزم بوجود الشعر الجاهلي الذي يشترك معها في نفس التقاليد، وأيضًا فإن فيه من الألفاظ الغريبة ما لم يكن يُستخدَم في عصر هؤلاء الرواة ممن دونوه؛ مما يدل دلالة قاطعة على أنه صحيح في جوهره.
    ونضيف إلى ذلك أن في الشعر الجاهلي صورًا من الأساليب والتراكيب الملتوية, التي تخرج على الصورة النحوية الطبيعية؛ مما يدل على قِدَمِها, وأنها ليست من صنع العباسيين, وأيضًا فإن فيه صورة لتهتك خلقي لا يمكن أن تقوم إلا في نفس وثني, على نحو ما يلقانا في معلقة امرئ القيس وحديثه عن المرضع, وبسطه لجوانب متعته بالمرأة.
    ولا يزال المستشرقون إلى اليوم يختلفون في قبول هذا الشعر بحذر, والشك فيه شكًّا معتدلًا أو متطرفًا، وممن أدلى بدلوه منهم في هذا الموضوع بلاشير وذلك في الجزء الأول من كتابه "تاريخ الأدب العربي"، إذ تحدث طويلًا مبينًّا بل مجسمًا الشبهات، وبينما يحاول الاعتدال أحيانًا إذا به يهجم هجومًا عنيفًا.
    ومن ألوان هجومه قوله: "نحن نجد في النصوص المذكورة أن الشعراء أيًّا كان عصرهم أو قبائلهم يستعملون لغة موحدة منزهة بصورة عامة عن كل أثر لهجي، خاضعة لقواعد تركيبية، هي بصورة مجملة قواعد نحاة البصرة، ولا شك في أن القصائد الجاهلية جُرِّدت بتأثير الرواة الكبار عن كثير من الظواهر اللهجية، كما أن التثبيت الكتابي بدوره أتم توحيد اللغة وحتى الأسلوب".
    ويقول: "كل شيء يدعونا إلى الاعتقاد بأن كبار الرواة -ومعهم علماء العراق- قد أجروا في الشعر القديم إصلاحات ذات صبغة جمالية", ثم يقول: "والمدهش هو تعدد الروايات واتساعها داخل كل بيت، ولا ريبَ في أنها ناشئة عن ضعف الذاكرة في أثناء الرواية الشفوية, وأن عددًا قليلًا منها ناشئ عن عدم اكتمال طريقة الكتابة, أو عن استبدالات في المترادفات. وما من شيء يجيز لنا التأكيد بأن هذه الفروق الجزئية ليست قديمة, ولا تصعد إلى ظهور الأثر نفسه".
    وينتهي من ذلك إلى أن "دراسة النصوص الشعرية "يقصد الصحيحة" تقودنا إلى وضع مبدأ يقضي بعدم امتلاكنا أي أثر شفوي في شكله الأصيل... ونحن نعلم لكي تتم المأساة أن المقلدات قد امتزجت بالأصول القديمة التي يختلف تحريفها قلة أو كثرة, دون أن نتمكن في كثير من الأحيان, من كشف هذه الانتحالات".
    وواضح أن بلاشير يزعم أن الأصول الصحيحة للشعر الجاهلي, اختلطت بالنماذج والقصائد الموضوعة اختلاطًا يتعذر معه أن تميَّز، وهو زعم مبالغ فيه؛ لأن هذه الأصول وصلتنا عن رواة ثقات، وأجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على توثيقها، بحيث لا يرقى إليها الشك.
    وهو يزعم أيضا أن الرواة, ونحاة البصرة عدّلوا في هذه الأصول بما يتمشى مع القواعد النحوية البصرية من جهة, والقواعد الجمالية الأسلوبية من جهة ثانية، ويتخذ دليله على ذلك خلوّ القصائد الجاهلية من ظواهر اللهجات القبلية، وهذه الظواهر كانت فعلًا تكاد تكون منعدمةً في الجاهلية نفسها؛ لأن الشعراء في القبائل المختلفة اصطلحوا على أن ينظموا شعرهم بلهجة قريش، واتخذوها لغةً لشعرهم، ومن أجل ذلك لم يسقط من لهجتهم في أشعارهم إلا أشياء قليلة جدًّا، سجلها هؤلاء النحاة البصريون، وإلا فَفِيمَ هذه الشواذ النحوية التي تمتلئ بها كتبهم؟ ولم يكن رواة البصرة ونحاتها وحدَهم الذين يروون هذا الشعر، بل كان يرويه معهم رواة الكوفة ونحاتها، وكانوا مولعين بإثبات الشواذ واعتبارها أصولًا يقاس عليها.
    أما أن هؤلاء الرواة جميعًا أدخلوا في الشعر الجاهلي إصلاحات ذات صبغة جمالية، تقوم على متانة اللفظ وجزالته، فهي دعوى تستلزم ضربًا من الدور، إذ كانوا يرجعون في هذه الإصلاحات إلى المقاييس الجمالية المبثوثة في هذا الشعر الجاهلي, والتي تقوم على الرصانة والجزالة, ثم يصلحونه على أساسها, وبذلك يجعلهم بلاشير يدورون، وهو دور باطل تنقضه طبيعة الأشياء, والحق أن ثقاتهم نقلوا إلينا هذا الشعر بكل صفاته الجمالية وما داخله من عيوب تركيبية أو شواذ نحوية أو لغوية. على أننا نسلم بما يقوله بلاشير من أن القصائد أصابها بعض التغيير في أثناء سفرها الطويل من الجاهلية إلى عصر التدوين، فقد يستبدل الراوي بكلمة أخرى ترادفها، وقد يغيب عن ذاكرته بعض الأبيات، وقد يخالف في ترتيب أبيات القصيدة فيقدم فيها أو يؤخر. غير أن ذلك لا يخلّ بصحة ما حمله ورواه العلماء الثقات الذين نصوا على المنتحل المصنوع, على نحو ما يصور لنا ذلك كتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام.
    وإذا تركنا المستشرقين إلى العرب المحدثين والمعاصرين, وجدنا مصطفى صادق الرافعي يعرض هذه القضية -قضية الانتحال في الشعر الجاهلي- عرضًا مفصلًا في كتابه "تاريخ آداب العرب" الذي نشره في سنة 1911م, ولكنه لا يتجاوز في عرضه -غالبًا- سرد ما لاحظه القدماء، ونحن نحمد له استقصاءه لملاحظاتهم كما نحمد له ما وقف عنده من شعر الشواهد للمذاهب النحوية والكلامية، فقد لاحظ ما دخل هذا الشعر من بعض الوضع، وهو وضع سجله القدماء أنفسهم ولم يفُتْهم التنبيه عليه.
    وخلف مصطفى الرافعي طه حسين, فدرس القضية دراسة مستفيضة في كتابه "الشعر الجاهلي" الذي أحدث به رجة عنيفة أثارت كثيرين من المحافظين والباحثين, فتصدوا للرد عليه، ولم يلبث أن ألف مصنفه "في الأدب الجاهلي" الذي نشره في سنة 1927م, وفيه بسط القول في القضية بسطًا أكثرَ سعةً وتفصيلًا، إذ زودها ببراهين جديدة, وقد خصص لها في مصنفه أربعة كتب، هي الكتاب الثاني والثالث والرابع والخامس، ونراه يعنَى في الكتاب الثاني ببيان الأسباب التي تحمل على الشك في الشعر الجاهلي، ويقدم بين يديها نتيجة بحثه فيقول: "إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جدًّا، لا يمثل شيئًا ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي".
    وواضح أنه يُبقي في الشعر الجاهلي على بقية صحيحة، وإن كانت في رأيه قليلة، ولا تعطينا الصورة الأدبية الوثيقة لهذا الشعر. وقد مضى يبسط الأسباب التي تدفع الباحث إلى الشك فيه واتهامه، وردّها إلى أنه لا يصور حياة الجاهليين الدينية والعقلية والسياسية والاقتصادية، كما أنه لا يصور لغتهم وما كان فيها من اختلاف اللهجات، وتباينها بلهجاتها من اللغة الحميرية.
    أما من حيث حياتهم, فيقول: إنه عرضها على القرآن الكريم، فوجده يمثلها من جميع جوانبها المذكورة تمثيلًا قويًّا، فهو يجادل اليهود والنصارى والصابئة والمجوس، ويهاجمهم كما يهاجم الوثنيين والوثنية، ويُطلعنا في تضاعيف ذلك على جملة معتقداتهم، بينما نجد الشعر -كما يقول- بريئًا أو كالبرئ من الشعور الديني القوي والعاطفة المتسلطة على النفس، وقياس الشعر الجاهلي في هذا الجانب على القرآن الكريم مردود أو منقوض؛ لأن القرآن كتاب ديني يريد أن يجمع العرب على الإسلام، فطبيعي أن يعرض لدياناتهم ويناقشها ويبين ما فيها من ضلال بخلاف الشعر، فإن شاعرًا لم يدعُ لدين جديد، ومع ذلك فإن في كتاب "الأصنام" لابن الكلبي ذخيرة كبيرة من الشعر, تصور حياتهم الوثنية تصويرًا دقيقًا.
    وينتقل إلى حياتهم العقلية, فيلاحظ أنها غير واضحة في الشعر المنسوب إليهم، وكأنه يطلب إليهم حياة عقلية راقية أو معقّدة، وكانوا في جمهورهم بدوًا لم يتحولوا إلى طور فكري منظم. ومعنى ذلك أن حياتهم العقلية الفطرية ماثلة في شعرهم، ويخرج من ذلك إلى أن حياتهم السياسية لا تتضح في أشعارهم، مع أنهم كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم، مما يوضحه القرآن الكريم في سورة الروم؛ إذ يعرض علينا العرب شيعتين: شيعة تنتصر للروم وشيعة تنتصر للفرس.
    وهذا في الواقع لا يصدق على العرب جميعًا، إنما يصدق على قريش وقوافلها التجارية التي كانت تنزل في بلاد الدولتين, ومع ذلك فقد كان شعراء نجد والحجاز يتصلون بالغساسنة من أتباع الروم, والمناذرة من أتباع الفرس ويمدحونهم ويهجونهم. ولما نشبت الحروب بين قبيلة بكر والفرس قبيل الإسلام هدّدهم شعراء هذه القبيلة, وتوعدوهم طويلًا على نحو ما هو معروف عن الأعشى مثلًا.
    ويتحدث عن حياتهم الاقتصادية, وأننا لا نظفر بشيء ذي غناء في شعرهم يمثل لنا هذه الحياة، بينما يمثل لنا الذكر الحكيم العرب طائفتين: طائفة الأغنياء المستأثرين بالثروة وطائفة الفقراء المعدمين، وليس في الشعر ما يصور ذلك -كما يقول, إنما فيه أن العرب جميعًا أجواد كرام، على حين يلح القرآن الكريم في ذم البخل والبخلاء.
    وهذا القياس أيضًا لا يستقيم لسبب بسيط، وهو أن شعر الصعاليك طافح بما يصور النضال بين الأغنياء والفقراء، وأيضًا فإن شعراءهم إذا كانوا قد أكثروا في مدحهم وفخرهم من ذكر الكرم, فإنهم أكثروا في هجائهم من ذكر البخل وشحّ النفس. ولا بد أن نلاحظ أن كثيرًا من القرآن نزل في قريش التاجرة التي بلغ كثير منها مبلغًا عظيمًا في الثراء, والتي كان يشيع فيها الربا أضعافًا مضاعفة.
    ووقف طه حسين طويلًا إزاء لغة الشعر الجاهلي, ولاحظ أنه لا يصور اللغتين الشائعتين في الجزيرة: لغة الحميريين الجنوبية ولغة العدنانيين الشمالية، بل هو يضيف إلى الجنوبيين أشعارًا بلغة الشماليين. وحقًّا إن ما يضاف إلى من كانوا في أقصى الجنوب وداخل اليمن منتحل، أما من كانوا منهم يجاورون الشماليين فقد تعربوا في الجاهلية مثل مذحج وبلحارث بن كعب, على أنه يطرد القياس فيتشكك في شعراء القبائل اليمنية التي هاجرت من مواطنها الأصلية في الجنوب إلى الشمال مثل كندة وشاعرها امرئ القيس.
    ومما لا شك فيه أن هذه القبائل هاجرت إلى الشمال قبل العصر الجاهلي وتعربت، فهي ليست يمنية ولا جنوبية من الوجهة اللغوية، وإنما هي شمالية. وقد وقف عند لهجات الشماليين في الجاهلية، تلك التي تمثلها قراءات القرآن الكريم، ولاحظ أن الشعر الجاهلي لا يمثلها، واتخذ من ذلك مطعنًا في صحته، ومر بنا في غير هذا الموضع أن لهجة قريش عمت في الجزيرة منذ أوائل القرن السادس الميلادي واتخذها الشعراء لغةً أدبيةً لهم، ينظمون
    فيها أشعارهم مرتفعين غالبًا عن لهجات قبائلهم المحلية، فلا محل للتساؤل عن هذه اللهجات في شعر الجاهليين، ولا موضع لاتخاذ ذلك دليلًا على أنه منتحل موضوع، ونراه يتشكك في شعر الشواهد التعليمية على ألفاظ القرآن والحديث والمذاهب الكلامية، غير أن هذه الشواهد أبيات فردية، واتهامها ينبغي أن ينحصر فيها وألا يتعداها إلى الشعر الجاهلي عامة.
    ويخرج طه حسين في مصنفه من هذا الكتاب الثاني إلى الكتاب الثالث، فيتحدث عن أسباب نحل الشعر ويبسطها بسطًا معتمدًا على ملاحظات القدماء, ونراه يردها إلى السياسة والدين والقصص والشعوبية والرواة، أما السياسة وأراد بها العصبية القبلية فرآها تلعب دورًا واضحًا في شعر قريش والأنصار، إذ أضافت قريش إلى نفسها أشعارًا كثيرةً، وقد استكثرت بنوع خاص من الشعر الذي يهجى به الأنصار.
    وواضح أن هذا لم يكن غائبًا عن ابن سلام, فقد نص عليه وحذر منه، كما حذر من أشعار وضعتها قريش على لسان حسان, على أن الأشعار جميعها التي وقف طه حسين عندها ليست جاهلية, وإنما هي إسلامية.
    وينتقل إلى الدين فيبين دوره في هذا النحل, متشككًا في الأشعار التي يقال: إنها نُظمت في الجاهلية إرهاصا ببعثة الرسول, مما رواه ابن إسحاق واحتفظ به ابن هشام في سيرته، ومثله ما يضاف إلى الجن والأمم القديمة البائدة، ورفض ابن سلام هذه الأشعار وما يماثلها, وتشكك فيما أضيف إلى شعراء اليهود والنصارى من أشعار، وكذلك ما أضيف إلى عدي بن زيد العبادي، ولم يكن القدماء في غفلة عن ذلك.
    ونراه يتحدث عن القصص والقصاص وأثرهم في وضع الشعر، ومر بنا تنبيه ابن سلام على ذلك عند ابن إسحاق وأضرابه، ويعرض للشعوبية وما يمكن أن تكون قد نحلت الجاهليين من أشعار؛ لتثبت على لسانهم مثالبهم التي تدعيها كما تثبت ثناءهم على الأعاجم, وقد تشكك في هذا الشعر الكثير الذي يضيفه الجاحظ إلى الجاهليين في مصنفه "الحيوان"؛ ليدل على اتساع معرفتهم في هذا العلم -علم الحيوان- عصبية لهم. والحق أن هذا لم يكن من أهداف الجاحظ، فهو نفسه ينفي عنهم العلم الدقيق بالحيوان، إذ يقول: إن معارفهم فيه معارف أولية, وإنه إنما دار في أشعارهم؛ لأنه كان مبثوثًا تحت أعينهم وأبصارهم في ديارهم.
    ويختم هذا الكتاب بالوقوف عند الوضاعين من الرواة أمثال حماد وخلف، ومر بنا كيف أن القدماء كانوا لهم بالمرصاد. ومعنى ذلك كله أنه في هذا الكتاب إنما يردّد ما نص عليه العلماء السابقون من قضايا، يريد أن يتسع بها لنقض الشعر الجاهلي جميعه، وهي إنما تنقض جوانب منه، وينبغي أن نقف عندها، وألا نذهب مذهب التعميم، فإن القدماء إنما ذكروا هذا كله ليدلوا على ما أحاطوا به رواية الشعر الجاهلي من سياج قوي، حتى نميز الصحيح من الزائف والوثيق من المنحول.
    ويمضي طه حسين في مصنفه إلى الكتاب الرابع، وهو دراسة تطبيقية لبيان الانتحال في شعر طائفة من شعراء اليمن وربيعة, ويبدأ في دراسته بامرئ القيس ويتشكك في شعره؛ لأنه يمني وشعره قرشي اللغة، ثم هو شعر مضطرب ركيك. وكان يمني الجنس، لكنه كان قرشي اللغة، أما أن شعره ركيك والوضع فيه كثير, فقد كان يغنيه عن هذا الظن ما يروى عن الأصمعي من أنه قال: "كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حماد الراوية, إلا نتفا سمعتها من الأعراب وأبي عمرو بن العلاء".
    ونراه ينتقل إلى علقمة الفحل فيشك في شعره، وقد كان ابن سلام لا يثبت له سوى ثلاث قصائد, وشك في شعر عبيد بن الأبرص، وأسلفنا أن ابن سلام لم يكن يعرف له سوى معلقته "أقفر من أهله ملحوب" وكان يقول: إن شعره مضطرب ذاهب.
    ومضى طه حسين على هذا النحو يشك في شعر عمرو بن قميئة ومهلهل وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وطرفة والمتلمس والأعشى, معتمدًا على الأحكام الذاتية، ولو أنه استقصى آراء الرواة الثقات لأعانه ذلك كثيرًا في تحقيق أشعارهم جميعًا.
    وننتقل مع طه حسين في مصنفه إلى الكتاب الخامس، وهو خاص بشعراء مضر، فتراه لا يستبعد أن يكون هناك شعراء مضريون وشعر مضري، غير أنه لا يلبث أن يستدرك قائلًا: "لكننا لا نشك أيضًا في أن هذا الشعر قد ذهب وضاعت كثرته، ولم يبق لنا منه إلا شيء قليل جدًّا لا يكاد يمثل شيئًا، وهذا المقدار القليل الذي بقي لنا من شعر مضر قد اضطرب وكثر فيه الخلط والتكلف والنحل، حتى أصبح من العسير جدًّا إن لم يكن من المستحيل تخليصه وتصفيته".
    ويضيف إلى ذلك أن من الخطأ أن نكتفي في الحكم على الشعر المضري بالسند ومن يحمله من الرواة، أو بالغرابة والسهولة، ذاهبًا إلى أن الباحث في هذا الشعر ينبغي أن يحكّم فيه مقياسًا مركبًا من خصائص فنية يشترك فيها طائفة من الشعراء, بحيث يكونون مدرسة كمدرسة أوس بن حجر التي تتألف منه ومن زهير وابنه كعب والحطيئة، فإن لهذه المدرسة من الخصائص الفنية المشتركة ما يؤكد صحة شعرها وسلامته من الوضع والانتحال, وكأنه بذلك يهدم شكوكه الواسعة في الشعر الجاهلي، فقد رجع أخيرًا يسلم بصحة بعض جوانبه ودواوينه.
    على أننا لا نسلم له بطرد هذا المقياس في تلك المدرسة نفسها، فقد لاحظ القدماء أن شعر أوس بن حجر اختلط بشعر ابنه شريح، واختلف الرواة في بعض ما نُسب إليه من شعر؛ هل هو له أم لعبيد بن الأبرص الأسدي؟ ومن الخطأ أن نقبل رواية الكوفيين لديوانه، فقد حملت زيادات كثيرة، شك القدماء في أطراف منها، ونفس الرواية البصرية سنرفض قِطَعا وأشعارا منها، على الرغم من أنها جاءتنا عن الأصمعي, والأصمعي نفسه يشك في ثلاث قصائد مثبتة في روايته.
    والحق أن الشعر الجاهلي فيه موضوع كثير، غير أن ذلك لم يكن غائبًا عن القدماء، فقد عرضوه على نقد شديد، تناولوا به رواته من جهة وصيغه وألفاظه من جهة ثانية، أو بعبارة أخرى: عرضوه على نقد داخلي وخارجي دقيق.
    ومعنى ذلك أنهم أحاطوه بسياج محكم من التحري والتثبت، فكان ينبغي ألا يبالغ المحدثون من أمثال مرجليوث وطه حسين في الشك فيه مبالغة تنتهي إلى رفضه، إنما نشك حقًّا فيما يشك فيه القدماء ونرفضه, أما ما وثقوه ورواه أثباتهم من مثل أبي عمرو بن العلاء والمفضل الضبي والأصمعي وأبي زيد فحري أن نقبله ما داموا قد أجمعوا على صحته.
    ومع ذلك ينبغي أن نخضعه للامتحان وأن نرفض بعض ما رووه على أسس علمية منهجية لا لمجرد الظن، كأن يروى لشاعر شعر لا يتصل بظروفه التاريخية، أو تجري فيه أسماء مواضع بعيدة عن موطن قبيلته، أو يضاف إليه شعر إسلامي النزعة، ونحو ذلك مما يجعلنا نلمس الوضع لمسًا.
    Attached Files Attached Files
    • File Type: pdf 5.pdf (102.1 KB, 0 views)

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •