Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع : أثر الإسلام في الشعر - الدرس (7)

  1. #1
    Administrator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    8,363
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    475

    مراجع : أثر الإسلام في الشعر - الدرس (7)

    ع1:
    أثر الإسلام في الشعر
    ج1:

    الأثر الإسلامي في الشعر:
    - الأثر الفكري:
    كان من أبرز الأهداف التي حققها الإسلام في سرعة فائقة هو تحويل الإنسان العربي إلى إنسان مسلم. واقتفى هذا التحويل تغييرًا شاملًا في حياة هذا الإنسان، وكأنه خلقه خلقًا جديدًا؛ حيث أصبح الرجل الذي كان يحكم السيف في أموره دون تفكير، وينصر أخاه ظالمًا أو مظلومًا، أصبح هذا الرجل هادئ الطبع مطمئن النفس مستقر الفؤاد.
    وكان العربي يرى في القوة دستوره ورائده، يخضع لتلك القوة ويخضع غيره بها، فإذا تمكن من الغلبة كان هو الجدير بالحياة، وإذا كان مغلوبًا ليس له أن يشكو؛ لأن الغالب استعمل سلاح القوة، وهو عندهم القانون الذي يجب أن يسود.
    ثم جاء الإسلام فشرع النظم ووضع القوانين، وألزم المسلمين اتباعها والخضوع لها، ولم يجد المسلم أمامه خيرًا من أن يلتزم بدين الحق ومبادئ العدل والخير، ومن ثم أصبح قانون السماء دستور ورائده وهو يملأ سمعه وبصره ويعمل قلبه بقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، وبقوله سبحانه: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
    وكان الرجل قبل الإسلام يشهد من مظاهر العهر والفسوق ما يغريه بأن يغرق فيها لأذنيه، ومن تلك المظاهر ما يحكيه المؤرخون من أن بعض نساء بني عامر، كن يطفن حول الكعبة عراة أو حاسرات يرددن أشعارًا فيها إغراء وإثارة، وكان ذلك بالطبع مدعاة لأن تثار الغرائز من مكامنها، فإذا بالإسلام يكسو هذا الإنسان العربي حلل الطهر والعفة فيغض الطرف ويبعد عن الزلل، وإذا بالنساء والرجال قد التزموا بمظاهر الوقار والاحتشام.
    وكان العربي قبل الإسلام يلغي فكره ويخضع لتفكير قبيلته، يسالم من سالمت ويقاتل مَن قاتلت دون أن يسأل نفسه مرة واحدة، لماذا يسالم ولماذا يقاتل؟ وجاء الإسلام فعرف الإنسان العربي معنى المسئولية الشخصية وعرف ما له من حق وما عليه من واجب، وعرف الإنسان العربي أنه لن يعفى من المسئولية إذا اتبع غيره على الباطل مهما كانت منزلته: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، كما عرف الإنسان المسلم أنه من الأولى أن يتبع طريق المحسنين البررة لا العصاة الآثمين حتى ولو كان العصاة أقرب الناس إليه: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}.
    ولم تكن المرأة العربية تحظى في المجتمعات الجاهلية بالمكانة التي تليق بها، فقد كانت بعض هذه المجتمعات تمتهن المرأة امتهانًا لا يليق وكرامة الإنسان، فجاء الإسلام وقدر للمرأة مكانها ومكانتها، وحظيت جميع النساء في ظل الإسلام بحقوق لم تحظ بها نساء أوربا حتى في عصرنا الحديث.
    وما أروع تلك النقلةَ الهائلةَ التي أحدثها الإسلام في نفوس الناس، فالرجل الذي كان يسجد لغير الله، ويعبد اللات والعزى ومناة، ويقدم لها القرابينَ ويطوف بالكعبة مرددًا لأسماء تلك الآلهة وغيرها.
    هذا الرجل ينقله الإسلام ليشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهنا تسمو روحه وتصفو نفسه ويصل إيمانه بربه إلى درجة الحب والتفاني؛ ابتغاءَ رضوان الله رب العالمين.
    وكان من الطبعي -إذن- أن يتأثر العربي بهذه الحياة الجديدة التي أحدثها الإسلام والقرآن وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المجتمع العربي حيث تبرز فيه مظاهر التفكير الهادئ العميق، وتختفي منه شيئًا فشيئًا مظاهر الغلظة والجفوة والبداوة، وتجد عنده فنون وموضوعات تتصل بشئون الدنيا والدين، في سياسة الدولة وشئون الناس على نحو منظم ومهذب لم يعهده العرب من قبل، وتختفي منه فنون وموضوعات، من شأنها تفكيك الروابط وتوهين العلاقات بين الأفراد والجماعات.
    وكان الفضل لكتاب الله المحكم الذي جاءت آياته لترسي أصول التشريع وتضع النظم الدقيقة لحياة المجتمع الإسلامي من سياسية واجتماعية وثقافية ودينية.
    أجل؛ لقد كانت آيات القرآن الكريم تعلم الناس أمورَ دينهم ودنياهم، وتمضي معها السنة المطهرة في شرح وتوضيح أهداف الإسلام في أحكام واضحة وقواعد ميسرة لا تفريط فيها ولا إفراط ... ومن ثم لم يكن غريبًا أن يتأثر المجتمع العربي بكتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- حيث أنسوا فيهما ذلك البون الشاسع بين ما عهدوه في جاهليتهم الأولى من ظلم وظلمات، وما أصبحوا عليه بعد كتاب الله وحديث رسوله الكريم من حياة ملؤها العدل والعلم والفكر السليم، كما أنه لم يكن غريبًا أن يصدر الشعر في تلك الفترة ليكون خير معبر عن حياة هذا المجتمع الإسلامي الجديد.
    ويحضرني من بين الأمثلة الكثيرة الدالة على مدى انعكاس تلك المبادئ الإسلامية السامية على الفكر العربي وظهور أثر ذلك بالتالي في الشعر، وهو المعبر عن حياة الناس ومشاعرهم، يحضرني ذلك الموقف الذي كان بين ظبيان بن كدارة المرادي وثقيف؛ حيث تنازعَا على أرض بالطائف وحُكِّم في هذا النزاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحكم لثقيف ولم يحكم لظبيان ... فلم يشأ الأخير إلا أن يذعن للحق، ولم يكتفِ بذلك ... بل ما كان منه إلا أن أعلن في صراحة وصدق عن رأيه في ذلك الحكم؛ فقال:
    أشهد بالبيت العتيق وبالصفا شهادة من إحسانه يتقبل
    بأنك محمود علينا مبارك وفي أمين صادق القول مرسل
    أتيت بنور يستضاء بمثله ولا عيب في القول الذي يتنخل
    عليك قبول من إلهي ؟؟؟؟ ...............................................
    حلفت يمينًا بالمحجب بيته يمين امرئ بالقول لا يتنحل
    بأنك قسطاس البرية كلها وميزان عدل ما أقام المشلل
    وهنا يبدو أن الشاعر لم يغضب حين حكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- لغيره، وإنما أعلن في رضا قبوله لهذا الحكم الذي يحتمه الإسلام؛ ليأخذ كل ذي حق حقه.
    ع2:
    موقف الإسلام من الشعر
    ج1:
    ينبغي لمن يتناول الشعر في عصر صدر الإسلام بالدراسة، أن يوضح موقف الإسلام من الشعر؛ لاختلاف آراء النقاد، ومؤرخي الأدب في هذ القضية.
    فمنهم من رأى أن الإسلام كان سببًا في ازدهار الشعر وقوته، وأنه فتح مجالاتٍ واسعةً أمام الشعراء، ومنهم مَن ذهب إلى أن الإسلام أدى إلى ضعف الشعر وانصراف الشعراء عنه؛ لأنه ذم الشعراء ونفر من الشعر.
    وأصحاب الرأي الأول، ينظرون إلى القضية من زاوية أن الشعر مرآة لعصره، وأنه وليد الأحداث التي تثير الكوامن الشعرية لدى الشعراء، وأنه يتطور بتطورها، ولا شك في أن الإسلام أعظم حدث في تاريخ البشرية، فقد كان ثورة على الحياة الجاهلية في جميع جوانبها.
    كما فتح الإسلام أمام الشعراء، أبوابًا جديدة للشعر، لم تكن لتوجد لولا ظهور هذه الدين الجديد؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: الصراع الناشئ بين المسلمين والكفار، في مكة والمدينة، ثم الغزوات التي خاضها المسلمون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والفتوحات الإسلامية التي تمت في عصر النبوة والراشدين، ثم الأنظمة الحضارية الجديدة التي أوجدها الإسلام، كل ذلك -وغيره- كان شرارة ألهبت المشاعر، وحركت الأحاسيس، ففاضت شعرًا يصور هذه الأحداث، ويشيد بما قدمه.
    وهذا الرأي لا يعدو الحقيقة، ولا يمثل غير الواقع؛ لأن النِّتاج الشعري في هذا العصر، يؤكد ذلك، ويثبت أن الإسلام لم يهجن الشعر، ولم يصرف الشعراء عن قرضه، ولكنه جعل الشعراء يتحركون في أجواء رحبة راقية، لا مثيل لها.
    أما شبهة القائلين بضعف الشعر في صدر الإسلام، وحجتهم التي استندوا إليها، فهي بعض آيات من القرآن الكريم، أنزلها الله تعالى في شأن طائفة من الشعراء، وما أثر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أقوال يذم فيها الشعر، ثم أقوال مبتسرة لبعض النقاد القدامى، بالإضافة إلى الاستنباط العقلي الذي أوهمهم أن الإسلام جمد قرائح الشعراء، وعطل الشعر، بتحريمه كثيرًا من مثيراته، وإغلاق مجالاته التي يستجاد فيها عندهم كالخمر ومغازلة النساء، وإثارة الضغائن، والأحقاد، والثأر، وما إلى ذلك.
    أما الآيات القرآنية في قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} ثم قوله تعالى ردًّا على من زعم أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- شاعر، وأن ما جاء به شعر: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ}.
    والمتأمل في الآيات الأولى، يدرك أن الله تعالى لم يهاجم الشعراء عامة، ولم يذم الشعر على إطلاقه، وإنما قصد بذمه طائفة معينة من الشعراء، وصفهم بقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}، وفي هذا الوصف تخصيص وبيان للشمول المفهوم من قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}؛ إذ خص فئة بذاتها من الشعراء، وهي التي تذهب في قولها مذاهب شتى، من الفحش والبهتان.
    وتأمل كلمة "يهيمون" تجدها تصور لك ذهاب آلة الإدراك في تلك الطائفة من الشعراء الذين عناهم الله تعالى فصاروا كالمخبولين، يهاجمون الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويصدون عن دعوته، ويهجونه وأصحابه، ويهتكون الأعراض، ويذمون الحق، ويمدحون الباطل، ويكذبون على أنفسهم، وعلى الناس، وهؤلاء هم شعراء المشركين.
    كما أن الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...} جاء ليخرجهم شعراء بعينهم من دائرة الذم، وصفهم الله تعالى بأنهم: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} والمراد بذكر الله تعالى أي: في أشعارهم. وانتصارهم بعد ما ظلموا، كان بردهم هجاء الكفار، كما فعل حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وهؤلاء الشعراء كثرة، ولم يخرج شعرهم على تعاليم الإسلام وقيمه، فمدحهم الله -عز وجل- من أجل ذلك.
    فالآية -كما رأيت- تهاجم شعراءَ المشركين، الذين هجوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصدوا عن دعوته، وكل شاعر خرج على قيم الإسلام، وتذم شعرهم، وتمدح شعراء المسلمين، الذين لم يفحشوا في القول، وشاركوا بشعرهم في نشر الدعوة الإسلامية والدفاع عنها.
    ومن العلماء النقاد الذين فهموا الآية على وجهها الصحيح ابن رشيق؛ حيث قال: "فأما احتجاج من لا يفهم وجه الكلام بقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} الآية، فهو غلط وسوء تأمل؛ لأن المقصودين بهذا النص، شعراء المشركين الذين تناولوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالهجاء، ومسوه بالأذى، فأما مَن سواهم من المؤمنين فغير داخل في شيء من ذلك، ألا تسمع كيف استثناهم الله -عز وجل- ونبه عليهم، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} يريد شعراء النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين ينتصرون له، ويجيبون المشركين عنه".
    أما الآية الثانية: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ}، فلا تنهض دليلًا على ذم الشعر، والشعراء؛ لأنها جاءت في معرض الرد على من ادعى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- شاعر، وأن القرآن شعر، فنفى الله -سبحانه وتعالى- أنه علم رسوله الشعر، وفي إسناد التعليم إلى الله تعالى إشارة إلى تلك الحقيقة التي ينبغي لقريش أن تعلمها، وهي أنه من عند الله، وهم يعلمون ذلك، لكنهم يعاندون ويكابرون، ويشير إلى ذلك الشيخ سيد قطب فيقول: "وما كان يخفَى على كبراء قريش أن الأمر ليس كذلك، وأن ما جاءهم به محمد -صلى الله عليه وسلم- قول غير معهود في لغتهم، وما كانوا من الغفلة بحيث لا يفرقون بين القرآن والشعر، وإنما كان هذا طرفًا من حرب الدعاية التي شنوها على الدين الجديد وصاحبه -صلى الله عليه وسلم- في أوساط الجماهير".
    وقوله تعالى: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} لا يقصد به تحقير الشعر بحال، إنما قصد به الارتفاع بمقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأنه لا يليق بمقام النبوة أن يكون صاحبها شاعرًا، لا لأن الشعر مذموم عند الله تعالى، وإنما للبعد الشاسع بين منهج الوحي، وانفعال الشعراء.
    فالآية -كما رأيتَ- تنفي تعلمَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- للشعر، وترتفع بمقام النبوة عن قوله، ولا يلزم من ذلك نفي تذوق الرسول له، وإقباله عليه، وترديده لبعض أبياته، وخبرته بمواطن الحسن والقبح فيه. كما أنها لا تشير إلى ذم الشعر أو مدحه.
    ولابن رشيق حجة يدحض بها رأي من يستدل بالآية، على ضعف الشعر في عصر صدر الإسلام، بسبب ذم القرآن له، فيقول: "ولو أن كون النبي -صلى الله عليه وسلم- غير شاعر غض من الشعر، لكانت أميته غضًّا من الكتابة".
    وإذا رجعنا إلى قول المفسرين في تلك الآيات، لم نجد إشارة تحتمل التنفير من الشعر، أو استهجانه على إطلاقه، ومن ثم يتأكد لنا "أن القرآن الكريم، لم ينفر من الشعر بعامة، ولم يذم الشعراء أجمعين، وإنما وقف موقف الإنكار من الشعر الظالم، الذي يجور على الحق، ويجافي العدل والخير، ومن الشعراء الذين ينحون بشعرهم هذا المنحى".
    ومن الأحاديث النبوية الشريفة، التي احتج بها مَن ذهب إلى أن الإسلام يذم الشعراء، وينفر من الشعر، قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا)).
    وفهموا من هذا الحديث، أن الذم ينصرف إلى الشعر عامة والحقيقة، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعني شعرًا من لون خاص، وهو الذي يلهي عن ذكر الله -عز وجل- والإقبال على كتابه، والشعر الذي قيل في هجائه والهجوم على الإسلام، والشعر الذي يتضمن الكذب الفاحش، ويدعو إلى قبيح الأخلاق، يؤكد هذا ما روي أن السيدة عائشة -رضي الله عنها- صححت رواية الحديث، وقالت: "لم يحفظ أبو هريرة الحديثَ"، وإنما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيتَ به)).
    أما الشعر الذي يدعو إلى الفضيلة، ويحث على مكارم الأخلاق ويقيم الحق، ويهذب النفس، فقد استمع إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال: ((إن من البيان لسحرًا)) وفي رواية: ((إن من الشعر الحكمة -أو حكمًا-)). كما أن لفظة: ((يمتلئ)) تفيد أن الذم ينصب على من انشغل بالشعر، وجعله كل همه. ولم يعد في قلبه مجالًا لشيء سواه.
    ومن أقوال العلماء التي مكنت لهذه الشبهة في نفوس أصحابها واستندوا إليها في حكمهم على موقف الإسلام من الشعر، قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأن العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر فلم يئولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم منه الكثير". وقال ابن سلام نفس القول في طبقاته.
    ثم قول ابن خلدون: "انصرف العرب عن الشعر أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحي، وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه فأخرسوا عن ذلك، وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانًا، ثم استقر ذلك، وأونس الرشد من الملة، ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وخطره، وسمعه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأثاب عليه، فرجعوا حينئذٍ إلى ديدنهم منه".
    وقول عمر -رضي الله عنه- لا يدل على ذم الإسلام للشعر أو ضعفه في صدر الإسلام؛ لأنه قيل للدلالة على ضياع كثير من الشعر، بفعل الزمان، والعلة في ذلك: "فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس ..." والتشاغل هنا عن رواية الشعر لا عن قوله أو الاستماع إليه، بدليل تلك الآثار الشعرية التي قيلت في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
    ويبدو أن زمن الانصراف عن الشعر الذي قصده ابن خلدون كان وقتًا يسيرًا من بداية البعثة النبوية، وأنه قصد "بالعرب" المسلمين الذين آمنوا بما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلا لوقع التناقض بين قوله: "انصرف العرب عن الشعر أول الإسلام" وقوله: "وسمعه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأثاب عليه". إذ كيف يكون الانصرافُ عن الشعر، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يسمعه ويثيب عليه؟ ولا أظن أن ابن خلدون يغفل عن مثل هذا.
    كما يبدو من قوله، أنه لم يستند في رأيه على الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي سبق الحديث عنها، بدليل قوله: "ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وخطره، وسمعه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأثاب عليه". وأن القول بانصراف العرب عن الشعر أول الإسلام، اجتهاد منه.
    وإذا كان قد بطَل من قال في القديم: إن الإسلام نفَّر من الشعر وذم الشعراء، وأدى ذلك إلى ضعفه، وانصراف الشعراء عنه في صدر الإسلام، إذا كان قد بطل مثل هذا القول، لم تعد هناك حجة لمن يردد مثل هذا القول في العصور المتأخرة، ولم يبقَ إلا أن نقول: إما أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث، والفهم الدقيق، لما ورد من أدلة في هذا الشأن، وإما أنهم ينكرون تلك النهضة الأدبية- شعرًا ونثرًا- التي أحدثها الإسلام.
    Attached Files Attached Files
    • File Type: pdf 7.pdf (79.8 KB, 0 views)

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •