arabic website english website academic portal raqamiya learning material arabic forum
Arabic Website English Website Academic Portal Staff Portal Student Portal Magazine News Library Digital library Training Learning Material Mediu World Arabic Forum English Forum
Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع: علم المعاني ...الدرس العاشر...!!!

  1. #1
    Administrator amira.salah's Avatar
    Join Date
    Oct 2012
    Location
    EGYPT
    Posts
    10,677
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    43

    مراجع: علم المعاني ...الدرس العاشر...!!!





    خصائص التراكيب، محمد أبو موسى.





    المحاضرة السابعة عشرة

    تابع دلالات تعريف المسند إليه بالإشارة
    ومن المزايا البارزة لأسماء الإشارة أنها تعين المتكلم على التركيز والإيجاز وتفادي التكرار الذي تترهل به الأساليب ويتثاقل به وثوبها إلى القلوب، فقد تجد الباحث يعرض المسألة بتفاصيلها ثم يحتاج إلى إضافة قيد أو ما يشبهه مما يعوزه إلا الإعادة وحينئذ تسعفه أسماء الإشارة فيسلك سبيلًا غير سبيل التكرار، ولست في حاجة إلى أن أذكر لك شاهدًا على ذلك من الكتب، وانظر إلى اسم الإشارة في قولي على ذلك تجد الشاهد.
    ثم إن هذه الطريقة تكثر في كتاب الله، وقد تجد اسم الإشارة في بعض الآيات يلخص ويطوي صفحة كاملة من الأوامر والنواهي، بل أكثر من صفحة، اقرأ قوله تعالى في سورة الإسراء: {لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا}، آية رقم 22 واستمر في القراءة حتى آية رقم 39 تجد فيها {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ}، واسم الإشارة فيها يعود على المذكور ويطوي هذه الأوامر والنواهي الواقعة بين الآيتين، وهي كثيرة جدًّا ويهيئ الكلام لوصف تلك الآداب بأنها من الحكمة في أسلوب موجز كما ترى، ولولا اسم الإشارة وما تميز به من شمول الدلالة لما أتيح للأسلوب هذا الإيجاز والتركيز.
    وانظر إلى قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا * قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا} وصف ما أعده للكافرين وصفًا بلغ الغاية في جمال الإشارة والوحي بالمراد، قال في جهنم: {إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا}، فطوى وراء هذه الصورة الكثير من المعاني. ثم قال في الأخرى: أنهم يلقون فيها مكانًا ضيقًا مقرنين، فعرض العذاب والمعذبين في أهول ما ترى العين، ثم جاء قوله: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ}، فاحضر الصورة كلها مرة ثانية وجسدها لتكون في مقابلة الصورة الثانية، صورة الخلد الذي وعده المتقون، اسم الإشارة هنا أعان على الإعادة في كلمة موجزة أبرزت هذه الأحوال وكأنها أحضرت من غيب المستقبل البعيد.
    وأنبه مرة ثانية إلى أن اسم الإشارة قد يفيد أكثر من معنى في السياق الواحد، وقد يصلح ما قدمناه شاهدًا لأمر غير الذي سقناه فيه، خذ لذلك قوله: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ} تجد اسم الإشارة حدد المسند إليه وميزة ليوقع الحكم عليه بعد توضيحه وإبرازه، وفي ذلك قدر من قوة الحكم والعناية به لما قلنا، وتجد في البعد معنى الرفعة، وأنها آداب سامية تتألق في معارج الحكمة، وتجد الإشارة صورت المعنوي في صورة محسوسة.
    وخذ قوله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ} تجد اسم الإشارة يتردد فيه ثلاث مرات، وهو في كل واحد منها يفيد تمييز المسند إليه أكمل تمييز لمزيد العناية بالحكم الواقع بعده، ثم هو في كل واحدة منها يفيد أن المذكور لاتصافه بالأوصاف السابقة جدير بما يقع بعده، والإضراب في قوله: {أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ}، ناظر إلى ما بعد همزة الاستفهام في قوله: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} وهذا واضح. وكذلك تجد معنى البعد في الأولى يومئ بما لا تجده في الأخيرين. فقد ذكرت الآيات الأولى الملامح العامة للنفسية الجاحدة وأبرزها رفض أن يكون الحكم في الأرض لله ولرسوله ثم هم يتناقضون مع هذا الرفض ويأتون مذعنين إذا كان لهم في ذلك أرب، فهم يقبلون حكم الله عند المنفعة الذاتية فقط، والأصل عندهم هو رفضها وهذا محور المعنى في الآية الأولى، ومن هذا حاله فهو جدير بأن يُحكم عليه بأنه ظالم، والبعد يومئ إلى بعده عن ساحة الحق والعدل، والآية الثانية تقرر للصفة البارزة في الفئة المؤمنة وهي نقيض الصفة البارزة في الفئة الجاحدة، فإذا كان هناك رفض أن يكون الحكم لله فالملمح البارز هنا ليس هو تقرير حكومة الله فحسب، وإنما هو الانقياد الطائع لهم، فهم لهذا جديرون بوصف الفلاح لأنهم أفلحوا في الانتفاع بوجودهم المملوك لله، وأصابوا في تحديد موقف المخلوق من الخالق وهو السمع والطاعة، واسم الإشارة يومئ إلى سمو إدراكهم ورفع منزلتهم عند الله، وهكذا يُقال في الثالث.







    خصائص التراكيب، محمد أبو موسى.





    المحاضرة السابعة عشرة

    الدلالات الأساسية للتنكير
    تنكير المسند إليه:
    يأتي المسند إليه نكرة؛ لأن قصد المتكلم إفادة معنى النكرة، أي النوعية أو الإفراد.
    فقولك: جاءني رجل، تعبير صالح لأن يراد به النوعية، أي: جاءني رجل لا امرأة، وصالح لأن يراد به الإفراد أي: جاءني رجل لا رجلان، والإفراد يعني فردًا شائعًا في جنسه، فهو رجل شائع في جنس الرجال.
    قال الزمخشري في قوله تعالى: {لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ}، فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا: عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص، وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان فمعدودان فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله {إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ}؟ قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أُريدت الدلالة على أن المعنى به منهما والذي يُساق له الحديث هو العدد شفيع بما يؤكده فدل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى: أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكد بواحد؛ لم يحسن، وخيل أنك تثبت الإلوهية لا الوحدانية.
    فالتنكير في قوله {إِلَهَيْنِ} يراد به العدد بدليل أنه شفع بقوله {اثْنَيْنِ} لأن {إِلَهَيْنِ} صالح للدلالة على شيئين: الجنسية والعدد، فلما وصف بما يدل على العدد تمحضت دلالته عليه، وكذلك قوله {إِلَهٌ} يمحضها ما بعدها للمراد منها.
    ومن الصور التي يراد فيها بالنكرة النوع، أي: الجنس حين يأتي وصف النكرة بعدها دالًا على ذلك قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} فإن قوله {دَابَّةٍ}، صالح لأن يراد به الإفراد والجنس، وقد جاء قوله {فِي الأَرْضِ} وصفًا لدابة البيان أن القصد إلى الجنس لا إلى الإفراد، وكذلك قوله {طَائِرٍ}، فإنه صالح لأن يراد به طائر واحد أو جنس الطائر، ولكن قوله {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} محض النكرة للدلالة على الجنس، والنكرة حين تقع في سياق النفي تدل على العموم، وعموم الجنس هنا يشير إلى أنه ما من دابة قط في أي شعب من شعاب الأرض وفي أي مجهل من مجاهلها، وما من طائر قط يطير في أي أفق من آفاق السماء إلا أمم أمثالكم، وهذا دال على غية الحكمة والإتقان وبسط الملك وتمام السلطان.
    وقد يدل مقام الحديث على الأفراد فتتمحض النكرة للدلالة عليه من غير أن يمحضها لذلك وصف كما في الآيتين السابقتين.
    مثال ذلك قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى}، أي: فرد من أشخاص الرجال، وقد يدل مقام الحديث على إرادة النوعية، فتتمحض النكرة للدلالة عليه كقوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} أي: جنس من الأغطية، ونوع منها غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله سبحانه.
    قالوا: ومما يصلح للإفراد أو النوعية قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} يصلح للإفراد فيكون المعنى: خلق كل نوع من أنواع الدواب وجنس من أجناسه من نوع من أنواع الماء وجنس من أجناسه.
    هذان هما المعنيان الأساسيان للتنكير، ويردان على ما ذكرنا، ثم إن التنكير -أعني: كون الشيء مجهولًا ومنكورًا- معنى شامل وعميق وصالح لأن يتولد منه معاني كثيرة، وذلك إذا أجراه في التعبير بصير بأحوال الكلمات خبير بسياسة التراكيب.









    خصائص التراكيب، محمد أبو موسى.





    المحاضرة السابعة عشرة

    دلالة التنكير للمسند إليه
    دلالة التنكير للمسند إليه:
    واقرأ قول إبراهيم بن العباس:
    فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب وسلط أعداء وغاب نصير
    تكون على الأهواز داري بنجوة ولكن مقادير جرت وأمور
    تجد أنه نكر دهرًا ليشير بهذا إلى أنه دهر منكر مجهول، فليس هو الدهر الذي عهده الشاعر في أيام نعمته وولايته على الأهواز، وقد كان الشاعر عاملًا عليها من قبل الواثق بالله ثم عزل في وزارة محمد بن عبد الملك الزيات، فهو ضائق ضجر بدهر غادر وصاحب خائن، وقد أراد بقوله: "وأنكر صاحب" أنكرت صاحبًا، ولكنه جاء على هذا الأسلوب حتى لا يسند إنكار الصاحب إلى نفسه صريحًا في اللفظ، وإن كان صاحبًا لئيمًا محتقرًا غير معروف بالصحبة ولا مشهور بخلالها، وتنكير الأعداء في قوله: "وسط أعداء"، فيه معنى التحقير وقلة الشأن، وأنهم ليسوا من مشاهير الرجال، ورمز ببناء الفعل للمجهول في قوله "وسلط" إلى أنهم أداة في أيدي غيرهم لا يملكون من أمرهم شيئًا، فهم لا يستطيعون عداوتي إلا إذا دفعوا إليها من مجهول ساقط.
    ومما حسن فيه تنكير المسند إليه قول ابن المعتز:
    وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمع مني نظرة ثم أطرق
    فقد نكر النظرة التي جمحت منه إلى صاحبته ليشير بهذا إلى أنها نظرة من نوع خاص، نظرة ظامئة شرود، تجمح منه جماحًا لا يستطيع معه حبسها مهما بلغ إشفاقه وخوفه من الرقباء، وانظر إلى قوله: "ثم أطرق"، وكيف أفادت كلمة ثم التي تفيد التراخي أن هذه النظرة الجامحة لم تعد إلا بعد زمن طويل مع هذه المراقبة الدقيقة ومع إشفاق الشاعر، وكأنه قد ذهل عن نفسه وعن الرقباء.
    وقد يفيد التنكير معنى الكثرة كقول العرب: "إن له لإبلًا وإن له لغنمًا" يريدون بذلك الكثرة.
    وقد يفيد التنكير معنى التقليل ومنه قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ} فالتنكير في رضوان يفيد التقليل؛ لأن المعنى: وقليل من رضوان الله أكبر من كل نعيم، وهذا يلحظ في معنى هذا التنكير؛ لأن القليل من الله كثير وكثير، وانظر إلى كلام البلاغيين في بيان سر التعريف والتنكير في قوله تعالى في قصة يحيى -عليه السلام-: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِد} وفي قوله تعالى في قصة سيدنا -عيسى عليه السلام-: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} قالوا: إن تنكير السلام في قصة يحيى -عليه السلام- لأنه وارد من جهة الله تعالى، أي سلام من جهة الله مغن عن كل تحية، ولهذا لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرا كقوله تعالى: {سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيم}، وقوله: {اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا}، وقوله: {سَلامٌ عَلَى نُوح}، وقوله: {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}. وأما تعريف السلام في قصة عيسى -عليه السلام- لأنه ليس واردًا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه، وفي تعريف معنى آخر هو الدعاء وطلب السلامة؛ لأن السلام اسم من أسمائه سبحانه، وقالوا: إنك إذا ناديت الله مخلصًا باسم من أسمائه فإنك متعرض لما اشتق منه هذا الاسم. تقول في طلب الحاجة: يا كريم، وفي سؤال المغفرة: يا غفور، وهذه دقائق.
    وقيد يفيد التنكير معنى التعظيم والتكثير، كقوله تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك} فتنكير الرسل يشير إلى أن المراد رسل كثير، وذوو آيات عظام، وفي هذا تسلية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
    ومن دقيق ما أفاده التنكير ما جاء في قول الشاعر، وقد ذكره صاحب "المطول":
    إذا سئمت مهندة يمين لطول الحمل بدلها شمالًا
    فإنه نكر يمين والمراد يمين الممدوح؛ لأنه لو قال يمينك أو يمينه سيؤدي إلى إسناد السأم إلى يمينه معرفة هكذا، وفي ذلك جفوة ينبو عنها حس الشعر في باب المديح.
    والتنكير قوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ}، يفيد التقليل أو التحقير، أي: نفحة قليلة ضئيلة، وقد رفض الخطيب هذا وقال: أن معنى التقليل مستفاد من بناء الفعل للمرة، أعني قوله: نفحة، ولأنها تدل بمادتها على القلة؛ لأنها من قولهم نفحته الريح إذا هبت عليه هبة، ورد ذلك بأنه لا يمنع أن يكون التنكير أيضًا مفيدًا للتقليل، وبذلك يكون هذا التقليل مفادًا بالبناء للمرة، وبأصل الكلمة وبالتنكير، وكلمة نفح تستعمل في كلامهم للخير كنفح الطيب، ونفح الريح الناعمة، واستعملت هنا في الشر على طريق التهكم فهي من قبيل قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب}.
    قالوا: والتنكير في قوله تعالى في حكاية حديث إبراهيم -عليه السلام- لأبيه: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ} يفيد التعظيم والتهويل، أي: أخاف أن يمسك عذاب هائل لا يكتنه، ولا يضايق هذا المعنى ذكر المس؛ لأن المس جاء في القرآن مع العذاب المحيط، والعذاب العظيم، قال تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} كما لا يضايق هذا المعنى قوله {مِنْ الرَّحْمَنِ} من حيث أن ذكر الوصف المشعر بالرحمة الشاملة يجعل المعنى أنه عذاب قليل؛ لأنه جاء من قبل الرحمن الرحيم، لا يضايق هذا المعنى قوله {مِنْ الرَّحْمَنِ} لأن عذاب الحليم قد يكون أنكى، وغضبه قد يكون أعتى، ولذلك قال الرسول -عليه السلام-: "أعوذ بالله من غضب الحليم".









    دلائل الإعجاز "تحقيق محمود شاكر"، الجرجاني.





    المحاضرة السابعة عشرة

    دلالة التنكير للمسند إليه
    وإن أردت أظهر أمرًا في هذا المعنى فانظر إلى قول إبراهيم بن العباس:
    فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب وسلط أعداء وغاب نصير
    تكون عن الأهواز داري بنجوة ولكن مقادير جرت وأمور؟
    وإني لأرجو بعد هذا محمداً لأفضل ما يرجى أخ ووزير
    فإنك ترى ما ترى من الرونق والطلاوة، ومن الحسن والحلاوة، ثم تتفقد السبب في ذلك فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو "إذ نبا" على عامله الذي هو "تكون". وأن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ نبا دهر. ثم أن قال: "تكون" ولم يقل: "كان"، ثم أن نكر الدهر ولم يقل: "فلو إذ نبا الدهر"، ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد. ثم أن قال: وأنكر صاحب ولم يقل: وأنكرتُ صاحباً. لا ترى في البيتين الأولين شيئاً غير الذي عددته لك، تجعله حسناً في النظم، وكله من معاني النحو كما ترى. وهكذا السبيل أبداً في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى النظم وفضل وشرف أحيل فيهما عليه.
    مزايا النظم بحسب الموضع المراد والغرض:
    فصل:
    "في أن مزايا النظم بحسب المعاني المراد والأغراض التي تؤم"
    وإذ قد عرفت أن مدار أمر "النظم" على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة، ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها.
    ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض.
    تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في "سؤدد" من قوله: تنقَّل في خلقي سؤدد، وفي "دهر" من قوله: "فلو إذ نبا دهر" فإنه يجب أن يروقك أبداً، وفي كل شيء. ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله: "وأُنكِر صاحب"، فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هاهنا. بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد، والغرض الذي تؤم، وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش. فكما أنك ترى الرجل قد تهور في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها، إلى ما لم يتهدَّ إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب. كذلك حال الشاعر، والشاعر في توخيهما معاني النحو، ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم.









    الطراز، العلوي.





    المحاضرة السابعة عشرة

    دلالة التنكير للمسند إليه
    خيال وتنبيه:
    فإن قال قائل: وقد ذكرتم الوجه في تنكير الحياة في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}، فما وجه تنكير السلام في قصة "يحيى" في قوله تعالى: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِد} وتعريف السلام في قصة "عيسى في قوله تعالى: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوت} ثم إذا كان التنكير في السلام هو المطرد كقوله: {سَلامٌ عَلَى نُوح}، {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِين}، وغير ذلك؟ فما وجه نصبه في سلام الملائكة في قوله تعالى: {قَالُوا سَلامًا}، ورفعه في سلام إبراهيم في قوله تعالى: {قَالَ سَلام} فمن حقكم إيراد التفرقة في هذه الأمور ليكمل الغرض في تقرير قاعدة التنكير؟
    والجواب: أما ما ذكره أولًا من تقرير فائدة التنكير في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة}، فقد أوردنا ما قاله علماء البيان في ذلك، فأغنى عن إعادته، والمعتمد عندنا: أن العلة في إيثار التنكير على التعريف، هو أن الغرض إخراجها مخرج الإطلاق عن كل قيد من القيود اللازمة لها، من تعريف أو تخصيص؛ لأن التقدير: إن لكم في القصاص حياة بالغة في اللطف مبلغًا عظيمًا وجامعة لجميع مصالح الدين والدنيا، ونازلة في الاستصلاح منزلًا تقاصرت العبارة عن كنهه، فحذفت هذه القيود كلها، وأُطلقت إطلاقًا، وعوض التنوين عن هذه القيود، كما جعل عوضًا في يومئذ، وحينئذ، عن جميع الجمل السالفة، وفيه من التعظيم والفخامة ما يرى، فهذا هو الوجه اللائق بفصاحة القرآن، دون ما ذكره علماء البيان.
    وأما ما ذكره ثانيًا من تنكير السلام في قصة يحيى، وتعريفه باللام في قصة عيسى، فإنما كان ذلك التنكير واردًا في قصية يحيى -عليه السلام- لأن التحية كانت من جهة الله تعالى في المواطن الثلاثة، وسلامٌ ما كان من جهة الله مغنٍ عن كل تحية (قليلك لا يقال له قليل) ومن ثم لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرًا كقوله تعالى: {سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيم}، وقوله: {اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا} وقوله تعالى: {سَلامٌ عَلَى نُوح}، ولو كانت معرفة لكان لا فائدة في تعريفها، وأما تعريف السلام في حق عيسى -عليه السلام-، فإنما كان ذلك من أجل أنه ليس واردًا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه، فلا جرم جيء بلام التعريف، إشعارًا بذكر الله تعالى، لأن السلام اسم من أسمائه، وفيه تعرض لطلب السلامة؛ ولهذا فإنك إذا ناديت الله باسم من أسمائه، فإنك متعرض لما اشتق منه ذلك الاسم؛ فتقول في طلب الحاجة: يا كريم، وفي سؤال مغفرة الذنب، يا عفو، يا غفور، يا رحيم، يا حليم، لما كان ذلك مناسبًا ملائمًا لما أنت فيه، فلهذا أورده باللام، تعرضًا للسلامة، وطلبًا لها باسم الله تعالى، وجوارًا إليه، ومن أجل ذلك كان اختتام الصلاة بالسلام المعرف باللام لكونه اسمًا من أسماء الله، لما كان افتتاحها باسم من أسمائه، ومن جوز السلام بغير اللام، فهو بمعزل عن هذه الأسرار، ومن جواز السلام بغير اللام، فهو بمعزل عن هذه الأسرار ومعرض عن هذه المقاصد،
    وأما ما ذكره ثالثًا من نصب سلام الملائكة، ورفع سلام إبراهيم، فلأن سلام الملائكة إنما ورد على جهة الإشعار بالفعل، وكونه مصدرًا عنه تقريرًا لخاطره، وإزالة للوحشة الحاصلة من جهتهم بامتناع الأكل، كما نبه عليها بقوله تعالى: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَة} وهذا المعنى إنما يظهر بالنصب بخلاف السلام من جهة إبراهيم، فإنما هو وارد على جهة التحية، كأنه قال: مني سلام، أو عليكم سلام، غير متعرض لتقييد الفعل، والانتصاب عنه، أو نقول ليس واردًا على جهة التحية، وإنما هو تعرض للمصالحة والمسالمة، وقد نبه على هذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((اقرءوا: {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ})) ومن ثم قال أهل التحقيق من علماء البيان: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة يشيرون به إلى ما ذكرناه.









    علم المعاني، درويش الجندي.





    المحاضرة السابعة عشرة

    دلالة التنكير لغير المسند إليه
    جـ- تنكير قيود الجملة: وتنكر قيود الجملة كما ينكر ركناها لأغراض.
    أهمها: الإفراد والنوعية والتعظيم والتحقير وغير ذلك.
    فمن التنكير للإفراد أو النوعية قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} فقد نكر كل من {دَابَّةٍ} و{مَاءٍ} للإفراد أو النوعية.
    فالمعنى على الإفراد:
    والله خلق كل فرد من أفراد الدواب من فرد خاص من من أفراد المياه وهو الماء الخاص بأبيه.
    والمعنى على النوعية:
    والله خلق كل نوع من أنواع الدواب من نوع خاص من أنواع المياه، وهو نوع النطفة المختصة بذلك النوع من الدواب.
    ومن التنكير للتعظيم: قوله تعالى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، أي: حرب عظيمة، ويحتمل أن يكون التنكير في كلمة {حَرْبٍ} في هذه الآية للنوعية، أي: فأذنوا بنوع من الحرب غير متعارف لديكم.
    ومن التنكير للتحقير: قوله تعالى: {إِنْ نَظُنُّ إلَّا ظَنًّا} أي: إن نظن بالساعة إلا ظنًّا حقيرًا ضعيفًا. فتنكير المفعول المطلق هنا للإشارة إلى تحقيره، وأنه ظن ضعيف.
    ومن التنكير للتقليل: قول المتنبي مادحًا:
    فيومًا بخيل تطرد الروم عنهمو ويومًا يجود يطرد للفقر والجدبا
    يريد: بعدد قليل من خيلك، وبيسير من فيض جودك.









    خصائص التراكيب، محمد أبو موسى.





    المحاضرة السابعة عشرة

    دلالة التنكير لغير المسند إليه
    وقد يفيد التنكير معنى التقليل ومنه قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ} فالتنكير في رضوان يفيد التقليل؛ لأن المعنى: وقليل من رضوان الله أكبر من كل نعيم، وهذا يلحظ في معنى هذا التنكير؛ لأن القليل من الله كثير وكثير، وانظر إلى كلام البلاغيين في بيان سر التعريف والتنكير في قوله تعالى في قصة يحيى -عليه السلام-: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِد} وفي قوله تعالى في قصة سيدنا -عيسى عليه السلام-: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} قالوا: إن تنكير السلام في قصة يحيى -عليه السلام- لأنه وارد من جهة الله تعالى، أي سلام من جهة الله مغن عن كل تحية، ولهذا لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرا كقوله تعالى: {سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيم}، وقوله: {اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا}، وقوله: {سَلامٌ عَلَى نُوح}، وقوله: {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}. وأما تعريف السلام في قصة عيسى -عليه السلام- لأنه ليس واردًا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه، وفي تعريف معنى آخر هو الدعاء وطلب السلامة؛ لأن السلام اسم من أسمائه سبحانه، وقالوا: إنك إذا ناديت الله مخلصًا باسم من أسمائه فإنك متعرض لما اشتق منه هذا الاسم. تقول في طلب الحاجة: يا كريم، وفي سؤال المغفرة: يا غفور، وهذه دقائق.
    وقيد يفيد التنكير معنى التعظيم والتكثير، كقوله تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك} فتنكير الرسل يشير إلى أن المراد رسل كثير، وذوو آيات عظام، وفي هذا تسلية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
    ومن دقيق ما أفاده التنكير ما جاء في قول الشاعر، وقد ذكره صاحب "المطول":
    إذا سئمت مهندة يمين لطول الحمل بدلها شمالًا
    فإنه نكر يمين والمراد يمين الممدوح؛ لأنه لو قال يمينك أو يمينه سيؤدي إلى إسناد السأم إلى يمينه معرفة هكذا، وفي ذلك جفوة ينبو عنها حس الشعر في باب المديح.
    والتنكير قوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ}، يفيد التقليل أو التحقير، أي: نفحة قليلة ضئيلة، وقد رفض الخطيب هذا وقال: أن معنى التقليل مستفاد من بناء الفعل للمرة، أعني قوله: نفحة، ولأنها تدل بمادتها على القلة؛ لأنها من قولهم نفحته الريح إذا هبت عليه هبة، ورد ذلك بأنه لا يمنع أن يكون التنكير أيضًا مفيدًا للتقليل، وبذلك يكون هذا التقليل مفادًا بالبناء للمرة، وبأصل الكلمة وبالتنكير، وكلمة نفح تستعمل في كلامهم للخير كنفح الطيب، ونفح الريح الناعمة، واستعملت هنا في الشر على طريق التهكم فهي من قبيل قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب}.
    قالوا: والتنكير في قوله تعالى في حكاية حديث إبراهيم -عليه السلام- لأبيه: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ} يفيد التعظيم والتهويل، أي: أخاف أن يمسك عذاب هائل لا يكتنه، ولا يضايق هذا المعنى ذكر المس؛ لأن المس جاء في القرآن مع العذاب المحيط، والعذاب العظيم، قال تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} كما لا يضايق هذا المعنى قوله {مِنْ الرَّحْمَنِ} من حيث أن ذكر الوصف المشعر بالرحمة الشاملة يجعل المعنى أنه عذاب قليل؛ لأنه جاء من قبل الرحمن الرحيم، لا يضايق هذا المعنى قوله {مِنْ الرَّحْمَنِ} لأن عذاب الحليم قد يكون أنكى، وغضبه قد يكون أعتى، ولذلك قال الرسول -عليه السلام-: "أعوذ بالله من غضب الحليم".
    وهذا الذي قلته في الآية هو كلام البلاغيين غير الزمخشري؛ لأنه لحظ فيها معنى آخر ذا مسلك أدق وألطف، وذلك لأن سيدنا إبراهيم كما قال: لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق لاصق به لا محالة، بل إنه قال: أخاف، ولم يقل سيمسك، ثم ذكر المس وهو أقل تمكنًا من الإصابة، ونكر العذاب للتقليل، ثم ذكر ربه باسم الرحمن، وهذا أقرب إلى طريقة حوار إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه في مواضع أخرى من الكتاب العزيز.
    والتنكير في قوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُون} يدل على نوع من الذهاب بالغ لا يقدر عليه إلا صاحب القدرة البالغة سبحانه.
    وفي قوله تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} لم يقل الأرض لأنه أراد اطرحوه في أرض مجهولة منكورة لا يعرفها أحد فلا يهتدي إليه أبوه.
    وهكذا يهديك النظر إلى إدراك معان لطيفة، فحين تنظر في قصيدة الحصين بن الحمام المري "جزى الله أفناء العشيرة كلها" يلفتك قوله:
    ولما رأيت الود ليس بنافعي وإن كان يومًا ذا كواكب مظلما
    صبرنا وكان الصبر فينا سجية بأسيافنا يقطعن كفًّا ومعصما
    نفلق هامًا من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
    ترى في تنكير قوله "كفا ومعصما" -إشارة إلى التعظيم والمنعة والقوة، أي: أننا قطعنا أكفَّا قادرة على الدفع والمنع ومعاصم لا يطيق قطعها إلا من كان على مثل حالنا من البسالة والاقتدار، وقوله: يفلقن هامًا أي رؤوسًا كثيرة وعزيزة، فإذا تابعت لفتك قوله:
    عليهن فتيان كساهم محرق وكان إذا يكسو أجاد وأكرما
    أراد فتيانا بهما أمرها في القوة والاقتدار، يجهلهم من كان يعرفهم لغرابة أفاعليهم في الطعن والكر، وكذلك قوله:
    ولولا رجال من رزام بن مازن وآل سبيع أو أسوءك علقما
    يلفتك التنكير في رجال لأن الشاعر يعني رجالًا ليسوا كالرجال الذين يعرفهم الناس وإنما هم رجال من نوع آخر، كأنه غريب في خلائقه وشجاعته ومروءته أو بلغوا في معنى الرجولية مبلغًا لا يحاط به، ولولاهم لا عمل للحصن في بني محارب بن خصفة بن قيس حتى لا تنفك منه إلا على آلة حدباء:
    لأقسمت لا تنفك مني محارب على آلة حدباء حتى تندما
    وقوله:
    وحتى يروا قوما تضب لثاتهم يهزون أرماحا وجيشا عرمرما
    وتضب لثاتهم جمع "لثة" بكسر اللام أي تسيل من شهوة الحرب وهذه صورة من كلامهم تدل على الحرص والرغبة، يقولون: جاء فلان تضب لثته، أي: جاء حريصًا جياشًا، والمهم التنكير في يهزون أرماحًا، فيه كما ترى معنى "أرماحا" عجيبة كأنها لم تعرف قبل.
    وقوله:
    وأبلغ أنيسًا سيد الحي أنه يسوس أمورًا غيرها كان أحزما
    تجد قوله يسوس أمورًا يعني: أمورًا منكورة عند ذوي الحلم والحزم.
    وهكذا نستطيع أن ندرك خصوبة هذه الكلمات التي أشرنا إليها وأن وراءها ألوانًا من الحس تخصب العبارة وتثري الفائدة.









    الطراز، العلوي.





    المحاضرة السابعة عشرة

    دلالة التنكير لغير المسند إليه
    خيال وتنبيه:
    فإن قال قائل: وقد ذكرتم الوجه في تنكير الحياة في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}، فما وجه تنكير السلام في قصة "يحيى" في قوله تعالى: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِد} وتعريف السلام في قصة "عيسى في قوله تعالى: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوت} ثم إذا كان التنكير في السلام هو المطرد كقوله: {سَلامٌ عَلَى نُوح}، {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِين}، وغير ذلك؟ فما وجه نصبه في سلام الملائكة في قوله تعالى: {قَالُوا سَلامًا}، ورفعه في سلام إبراهيم في قوله تعالى: {قَالَ سَلام} فمن حقكم إيراد التفرقة في هذه الأمور ليكمل الغرض في تقرير قاعدة التنكير؟
    والجواب: أما ما ذكره أولًا من تقرير فائدة التنكير في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة}، فقد أوردنا ما قاله علماء البيان في ذلك، فأغنى عن إعادته، والمعتمد عندنا: أن العلة في إيثار التنكير على التعريف، هو أن الغرض إخراجها مخرج الإطلاق عن كل قيد من القيود اللازمة لها، من تعريف أو تخصيص؛ لأن التقدير: إن لكم في القصاص حياة بالغة في اللطف مبلغًا عظيمًا وجامعة لجميع مصالح الدين والدنيا، ونازلة في الاستصلاح منزلًا تقاصرت العبارة عن كنهه، فحذفت هذه القيود كلها، وأُطلقت إطلاقًا، وعوض التنوين عن هذه القيود، كما جعل عوضًا في يومئذ، وحينئذ، عن جميع الجمل السالفة، وفيه من التعظيم والفخامة ما يرى، فهذا هو الوجه اللائق بفصاحة القرآن، دون ما ذكره علماء البيان.
    وأما ما ذكره ثانيًا من تنكير السلام في قصة يحيى، وتعريفه باللام في قصة عيسى، فإنما كان ذلك التنكير واردًا في قصية يحيى -عليه السلام- لأن التحية كانت من جهة الله تعالى في المواطن الثلاثة، وسلامٌ ما كان من جهة الله مغنٍ عن كل تحية (قليلك لا يقال له قليل) ومن ثم لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرًا كقوله تعالى: {سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيم}، وقوله: {اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا} وقوله تعالى: {سَلامٌ عَلَى نُوح}، ولو كانت معرفة لكان لا فائدة في تعريفها، وأما تعريف السلام في حق عيسى -عليه السلام-، فإنما كان ذلك من أجل أنه ليس واردًا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه، فلا جرم جيء بلام التعريف، إشعارًا بذكر الله تعالى، لأن السلام اسم من أسمائه، وفيه تعرض لطلب السلامة؛ ولهذا فإنك إذا ناديت الله باسم من أسمائه، فإنك متعرض لما اشتق منه ذلك الاسم؛ فتقول في طلب الحاجة: يا كريم، وفي سؤال مغفرة الذنب، يا عفو، يا غفور، يا رحيم، يا حليم، لما كان ذلك مناسبًا ملائمًا لما أنت فيه، فلهذا أورده باللام، تعرضًا للسلامة، وطلبًا لها باسم الله تعالى، وجوارًا إليه، ومن أجل ذلك كان اختتام الصلاة بالسلام المعرف باللام لكونه اسمًا من أسماء الله، لما كان افتتاحها باسم من أسمائه، ومن جوز السلام بغير اللام، فهو بمعزل عن هذه الأسرار، ومن جواز السلام بغير اللام، فهو بمعزل عن هذه الأسرار ومعرض عن هذه المقاصد،
    وأما ما ذكره ثالثًا من نصب سلام الملائكة، ورفع سلام إبراهيم، فلأن سلام الملائكة إنما ورد على جهة الإشعار بالفعل، وكونه مصدرًا عنه تقريرًا لخاطره، وإزالة للوحشة الحاصلة من جهتهم بامتناع الأكل، كما نبه عليها بقوله تعالى: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَة} وهذا المعنى إنما يظهر بالنصب بخلاف السلام من جهة إبراهيم، فإنما هو وارد على جهة التحية، كأنه قال: مني سلام، أو عليكم سلام، غير متعرض لتقييد الفعل، والانتصاب عنه، أو نقول ليس واردًا على جهة التحية، وإنما هو تعرض للمصالحة والمسالمة، وقد نبه على هذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((اقرءوا: {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ})) ومن ثم قال أهل التحقيق من علماء البيان: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة يشيرون به إلى ما ذكرناه.









    خصائص التراكيب، محمد أبو موسى.





    المحاضرة السابعة عشرة

    المقصود بمتعلقات المسند، والفائدة منها
    أحوال متعلقات الفعل:
    1- أغراض تقييد الفعل.
    2- حذف المفعول.
    3- التقديم في المتعلقات.
    يعني بالمتعلقات ما يتصل بالفعل ويتعلق به من فاعل، ومفعول به، ولأجله، ومصدر وزمان، ومكان، وسبب، وحال، وتمييز، وغير ذلك، فالفعل يلابس هذه الأشياء، وكثيرًا ما يأتي وقد جر وراءه هذا الحشد الهائل، وكله متصل به بوجه من الوجوه. والفعل مسند حتمًا، فأحوال متعلقات الفعل هي أحوال متعلقات المسند إذا كان فعلًا. وقد جعلها البلاغيون بابًا مستقلًا لكثرة مباحثها فقط؛ لأنها في الواقع فرع من فروع أحوال المسند.
    وقد ذكرت أغراض تقييد الفعل مع أحوال متعلقات الفعل لأني أرى أنها جزء منها، وإذا لم يكن هناك بد من فصل أحوال المتعلقات عن أحوال المسند؛ فينبغي أن نضيف إلى أحوال المتعلقات ما هو أكثر صلة بها، وقد أشار إلى ذلك العلامة الدسوقي في "حاشيته على المختصر".
    أغراض تقييد الفعل:
    أما أغراض تقييد الفعل بمفعول ونحوه من المتعلقات فقد قال الخطيب: أنه يكون لتربية الفائدة أي تكثيرها، ومعنى ذلك: أنك إذا قلت ضربت فقد أفدت فائدة، فإذا قلت: ضربت زيدًا كانت الفائدة أكثر، فإذا قلت: ضربت زيدًا يوم الجمعة زادت عن سابقتها، وهكذا كلما زاد الحكم قيدًا زاد فائدة، ألا ترى أنك في المثال الأول أفدت وقوع الضرب منك فقط، وفي الثاني أفدت وقوع الضرب منك على زيد، وفي الثالث أفدت وقوع الضرب منك على زيد يوم الجمعة، وهكذا كل مثال كان أكثر فائدة مما قبله باعتبار ما قد أضيف إليه.
    وتربية الفائدة تعني أيضًا تقرير المعنى، وتأكيده، انظر إلى قوله تعالى: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُم} فقد ذكر {بِأَفْوَاهِكُم} قيدًا للفعل، ولو حذف لفهم معناه؛ لأن القول لا يكون إلا بالفم، ولكن لما كان هذا القول فيه افتراء على الله تعالى شدد على قائله لتقرير الوعيد في النفس وبثه في أنحائها حتى تنزجر عن هذا القول الزور.
    ومثله قوله تعالى في قضية الإفك: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} ففي هذا القيد إشعار بتعظيم الأمر المقول، وأنه مقول بالأفواه من غير أن يتصل بالقلوب التي تعلم كذبه واختلافه، ونلحظ أن مثل هذا الأسلوب يأتي في القرآن الكريم في مواقف التشديد والإنكار لتربية المعاني وتقريرها في النفوس.
    انظر إلى قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} والمراد إنكار أن يقول الرجل لزوجته: "أنت عليّ كظهر أمي"، وللتشديد والمبالغة في هذا الإنكار صور الجمع بين الزوجة والأمومة في صورة جمع القلبين لرجل واحد، وذكر القيد وهو قوله: {فِي جَوْفِهِ} والقلب لا يكون إلا في الجوف ليقوى التصوير على التأثير بوضع جوف يشتمل على قلبين، وتصوير هذه الصورة الغريبة الشاذة أمام الحس والشعور، فيكون ذلك أدعى إلى أن تنكر النفس جعل الزوجة أما، وفي هذه الآية كثير من الإشارات استوفينا مزيدًا منها في "دراسات لسورة الأحزاب".
    ومثله قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} وخرور السقف لا يكون إلا من فوق، وقد قال ابن الأثير في قيمة هذا القيد: "ولذكر لفظة {فَوْقِهِمْ} فائدة لا توجد مع إسقاطها من هذا الكلام، وأنت تحس هذا من نفسك؛ فأنت إذا تلوت هذه الآية تخيل إليك سقف خر على أولئك من فوقهم وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاطه تلك اللفظة".
    ومنه قوله تعالى في قصة موسى -عليه السلام- مع صاحبه: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا}.
    قال في آية السفينة: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} ثم قال في آية قتل الغلام: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} فزاد قيدًا للمسند في الثانية لتربية الفائدة أعني لتأكيد اللوم في الثانية؛ لأن المخالفة الثانية أحوج إلى مزيد من اللوم بتقريره وتأكيده.
    ومما يأتي على هذه الطريقة قولهم: رأيته بعيني، ووطئته بقدمي، وقبضته بيدي، وذقته بفمي، وقد يظن من لا معرفة له بأسرار الكلام وخصائص التركيب أن هذه القيود فضلات ثقيلة في الكلام، غذ الرؤية لا تكون إلا بالعين، والوطء لا يكون إلا بالقدم، والقبض لا يكون إلا باليد، والذوق لا يكون إلا بالفم، ولكن المعنى هنا بالقيد أكبر منه بدونه فليس المعنى على أنه رآه ووطئه وذاقه فحسب، وإنما يضاف إلى ذلك قدر كبير من التصوير والتقرير، لذلك لا يقولون هذا إلا في شيء يعظم مثاله ويعز الوصول إليه فيؤكد القول فيه دلالة على نيله والحصول عليه.
    ومما يتصل بأحوال متعلقات الفعل أو بالقول في تقييد المسند القول في معاني الحروف الجارة التي تتعلق بهذه الأفعال، وهو باب خصب في المعاني الأدبية، ودرس جليل في فهم اللغة وسرائرها، وقد نبه إليه الدارسون لأسلوب القرآن وانتفع به البلاغيون وأخذوه عنهم، وكان الزمخشري من أكثر المفسرين التفاتًا إلى هذه الحروف.
    يقول في قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} مشيرًا إلى خلابة لام الجر، وكيف نهضت ببعث مشهد ساخر؟!!
    فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} وما هو الفرق بينه وبين قولك: أكان عند الناس عجبًا؟
    قلت: معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها.









    علم المعاني



    المحاضرة السابعة عشرة

    تابع المسند إليه المعرف بالإشارة، والحديث عن ذكره بصيغة التنكير


    1- تابع دلالات تعريف المسند إليه بالإشارة.


    2- الدلالة الأساسية للتنكير.


    3- دلالة التنكير للمسند إليه.


    4- دلالة التنكير لغير المسند إليه.


    5- المقصود بمتعلقات المسند, والفائدة منها.







    Attached Files Attached Files

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •