Results 1 to 1 of 1

Thread: مراجع:القراءات الشاذة ...الدرس الرابع...!!!!

  1. #1
    Administrator amira.salah's Avatar
    Join Date
    Oct 2012
    Location
    EGYPT
    Posts
    10,677
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    43

    مراجع:القراءات الشاذة ...الدرس الرابع...!!!!

    ع1:
    القراءات الشاذة في القرنين الثالث والرابع
    ج1: نشأة القراءات الشاذة، ليسري حسين محمد سعد.
    كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهد في حفظ القرآن الكريم حال نزوله عليه, وكان يحرك به شفتيه؛ وكان يدرسه حتى غلب عليه ذلك وشق عليه, فأمره الله أن ينصت ويستمع, وضمن الله له أن يجمعه في صدره، وأن يقرأه كما أُنزل, ونزلت هذه الآيات: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}.
    كما حفظ القرآن خلائق لا يُحصون من الصحابة -رضوان الله عليهم-. وقد دوِّن القرآن الكريم في ذلك العصر, وكتب الوحي مجموعة من الكتَّاب سماعًا من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان ذلك حفظًا لكتاب الله من الضياع والتحريف؛ ومن كتبة الوحي أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي, وزيد بن ثابت الأنصاري, وأبيُّ بن كعب الأنصاري, ومعاوية بن أبي سفيان, وعبد الله بن أرقم, وعبد الله بن سعد بن أبي سرح, وغيرهم.
    ففي "صحيح مسلم" وغيره من حديث أُبيّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ -عليه السلام- فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ -عز وجل- يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. قَالَ: أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ. ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ -عز وجل- يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ. قَالَ: أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ -عز وجل- يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْرُفٍ. فَقَالَ: أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ -عز وجل- يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَؤُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا)).
    فيتضح من ذلك: أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف, وأنه ليس بواجب القراءة بها جميعًا, بل من قرأ على أي حرف فقد أصاب وأجزأه.
    وقد أقرأ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بتلك الأحرف المنـزلة عليه، فكانوا يقرؤون بِها، حتى أنكر بعضهم على بعض وجوهًا من القراءة، فأخبرهم النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
    روى البخاري في "صحيحه" من حديث عمر بن الخطَّاب قَالَ: ((سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَرْسِلْهُ. اقْرَأْ يَا هِشَامُ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)).
    ثم بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-, خرج حفاظ القرآن إلى المواطن يجاهدون في سبيل الله مع من يجاهد من الصحابة -رضوان الله عليهم-، فاستحر فيهم القتل، ففزع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك، فأشار الفاروق عمر -رضي الله عنه- على أبي بكر -رضي الله عنهما-، بأن يجمع القرآن خوفًا عليه من الضياع، فكان ما أراد، وحفظ الله كتابه، وصدق وعده بالتكفل بحفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
    ففي الصحيح وغيره؛ قال الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ -رضي الله عنه-، وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ، قال: "أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقال: أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقال: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ. قال: أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فَقال: عُمَرُ هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لاَ يَتَكَلَّمُ. فَقال أَبُو بَكْر:ٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ وَلاَ نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- ؟ فَقال أَبُو بَكْر:ٍ هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِه: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} إِلَى آخِرِهِمَا. وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ".
    وعن زيد بن ثابت أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ النَّاسَ! فَقَالَ عُثْمَانُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: غَزَوْت فَرْجَ أَرْمِينِيَةَ، فَحَضَرَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الشَّامِ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يقرؤون بِقِرَاءةِ أُبَيٍّ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَيُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَإِذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ يقرؤون بِقِرَاءةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الشَّامِ، فَيُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الشَّامِ. قَالَ زَيْدٌ: فَأَمَرَنِي عُثْمَانُ أَنْ أَكْتُبَ لَهُ مُصْحَفًا.
    وروى البخاري من حديث أَنَسِ بن مَالِكٍ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بن الْيَمَانِ قَدِمَ على عُثْمَانَ, وكان يُغَازِي أَهْلَ الشام في فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مع أَهْلِ الْعِرَاقِ, فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلافُهُمْ في الْقِرَاءَةِ, فقال حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هذه الأُمَّةَ قبل أَنْ يَخْتَلِفُوا في الْكِتَابِ اخْتِلافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى, فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إلى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا في الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ, فَأَرْسَلَتْ بها حَفْصَةُ إلى عُثْمَانَ, فَأَمَرَ زَيْدَ بن ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بن الْعَاصِ، وَعَبْدَ الرحمن بن الْحَارِثِ بن هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا في الْمَصَاحِفِ. وقال عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إذا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بن ثَابِتٍ في شَيْءٍ من الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا, حتى إذا نَسَخُوا الصُّحُفَ في الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إلى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إلى كل أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا, وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ من الْقُرْآنِ في كل صَحِيفَةٍ أو مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. قال ابن شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بن زَيْدِ بن ثَابِتٍ سمع زَيْدَ بن ثَابِتٍ قال: فَقَدْتُ آيَةً من الأَحْزَابِ حين نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قد كنت أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ بها فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مع خُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ: {من الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا ما عَاهَدُوا اللَّهَ عليه}, فَأَلْحَقْنَاهَا في سُورَتِهَا في الْمُصْحَفِ.
    قال القاضي الباقلاني كما في "مرقاة المفاتيح": "لم يقصد عثمانُ قَصْدَ أبي بكرٍ في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعَهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخْذَهُم بِمصحفٍ لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أُثبِت مع تنزيلٍ، ولا منسوخ تلاوته كُتِبَ مع مُثْبَت رسمه ومفروضٍ قراءتُه وحفظُه؛ خشية وقوع الفساد والشبهة على من يأتي بعد".
    ولَمَّا أمر عثمان -رضي الله عنه- بانتزاع المصاحف المخالفة وإحراقها، رفض ذلك ابن مسعودٍ -رضي الله عنه-، وأمر الناس بأن يغلُّوا المصاحف.
    روى الترمذي في "سننه": قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَيَتَوَلاَّهَا رَجُلٌ، وَاللهِ، لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ، يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، فَالْقُوا اللهَ بِالْمَصَاحِفِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وأن عثمان -رضي الله عنه- اتَّبع أثر أبي بكر وعمر في اختيار زيدَ ابن ثابت.، وكان ابن مسعودٍ إذ ذاك بالكوفة. وقد رجع ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- إلى رأي الجماعة. ويدل عليه أن قراءته قد رواها عاصم، وحمزة، والكسائي، وغيرهم، وقراءة هؤلاء الأئمة موافقة للمصاحف العثمانية.
    قال السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن": "وقال البغوي في "شرح السنة": يُقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نُسخ وما بقي، وكتبِها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقرأها عليه، وكان يُقرئ بِها الناس حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر، وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف".
    وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وقد روى أحمد، وابن أبي داود، والطبري من طريق عبيدة ابن عمرو السلماني: أن الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة. ومن طريق محمد بن سيرين قال: كان جبريل يعارض النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن... الحديث، نحو حديث ابن عباس، وزاد في آخره: فيرون أن قراءتنا أحدث القراءات عهدًا بالعرضة الأخيرة. وأخرج النسائي من طريق أبي ظبيان قال: قال لي ابن عباس: أي القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد يعني: عبد الله ابن مسعود, قال: بل هي الأخيرة؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعرض على جبريل...الحديث، وفي آخره: فحضر ذلك ابن مسعود فعَلِم ما نُسخ من ذلك وما بُدل, وإسناده صحيح. ويمكن الجمع بين القولين: بأن تكون العرضتان الأخيرتان وقعتا بالحرفين المذكورين، فيصح إطلاق الآخرية على كل منهما".
    قال النووي في "التبيان في آداب حملة القرآن": خاف عثمان -رضي الله عنه- وقوع الاختلاف المؤدي إلى ترك شيء من القرآن، أو الزيادة فيه، فنسخ من ذلك المجموع الذي عند حفصة، الذي أجمعت الصحابة عليه مصاحفَ، وبعث بِها إلى البلدان، وأمر بإتلاف ما خالفها، وكان فعله هذا باتفاق منه ومن علي بن أبي طالب، وسائر الصحابة، وغيرهم -رضي الله عنهم-.
    ولَمَّا كان الاعتماد في نقل القرآن على المشافهة والتلقِّي من صدور الرجال، ولم تكن المصاحف كافية في نقل القرآن وتعلُّمه، فقد أرسل عثمان -رضي الله عنه- مع كل مصحف من المصاحف قارئًا يعلِّم الناس على ما يوافق المصحف الذي أرسل به، وكان يتخير لكل قارئٍ المصحف الذي يوافق قراءته في الأكثر.
    فقد روي أن عثمان -رضي الله عنه- أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكيّ، وبعث المغيرة بن أبي شهاب مع الشاميّ، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفيّ، وعامر بن عبد قيسٍ مع البصري.
    ومن هنا بدأ ظهور الشذوذ على كل قراءة لم تحظ بالإجماع, فقد ذكرت الروايات أن عثمان أبعد عددًا من الروايات التي لم يستفض نقلها عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وإعلان بطلان العمل بها. وأصبح من ذلك الحين رسم المصحف العثماني شرطًا أساسيًا من شروط صحة القراءة, والقراءة التي لا توافقه اعتبرت من الشاذ.
    فالقراءة الصحيحة ما صح سنده, ووافق العربية, ووافق الرسم العثماني. والقراءة تسمى اليوم شاذة؛ لكونها شذت عن رسم المصحف المجمع عليه، وإن كان إسنادها صحيحًا.
    وبقى خارج حدود الرسم العثماني عدد من الحروف كما جاءت في مصاحف كل من أبي، وابن مسعود، وغيرهما، وذكر المتتبعون لشأن القراءات أن هذه المصاحف اشتملت على أحرف كثيرة لم تشهد العرضة الأخيرة؛ وإن كان أصحاب هذه المصاحف تمسكوا ببعض القراءات، ولم يتخلوا عنها؛ لأنهم سمعوها بأنفسهم من النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ مما يفيد أن قرآنيتها تنسب إلى الآحاد, وبالتالي شذت عن الإجماع وشذت عن التواتر.
    قال ابن حجر في "فتح الباري": "وقال البغوي في شرح السنة: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمر عثمان بنسخة في المصاحف، وجمع الناس عليه, وأذهب ما سوى ذلك قطعًا لمادة الخلاف, فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع؛ فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم".
    والقراءة الشاذة ولو كانت صحيحة في نفس الأمر، فإنها مما كان أذن في قراءته. ثم أجمعت الأمة على تركها للمصلحة، وليس في ذلك خطر ولا إشكال؛ لأن الأمة معصومة من أن تجمع على خطأ. ويستفاد من القراءة الشاذة في إثراء اللغة، والتفسير، والأحكام الشرعية.
    فمثلًا: من القراءات الشاذة ما قرأ به ابن شنبوذ: "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله". وقرأ: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا". وقرأ: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" دون "ما خلق". ويقال: إنه اعترف بذلك كله, ثم استتيب.
    قال ابن السبكي في جمع الجوامع: "ولا تجوز القراءة بالشاذ، والصحيح أن ما وراء العشر [أي القراءات العشر] فهو شاذ وفاقًا للبغوي والشيخ الإمام، ويريد بالشيخ الإمام والده مجتهد العصر أبا الحسن علي بن عبد الكافي السبكي".
    وقال شهاب الدين أحمد الدمياطي في "إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر": "السبب الداعي إلى أخذ القراءة عن القراء المشهورين دون غيرهم؛ أنه لما كثر الاختلاف فيما يحتمله رسم المصاحف العثمانية التي وجه بها عثمان -رضي الله عنه- إلى الأمصار، والشام، واليمن، والبصرة، والكوفة، ومكة، والبحرين، وحبس بالمدينة واحدًا، وأمسك لنفسه واحدًا الذي يقال له: الإمام, فصار أهل البدع والأهواء يقرؤون بما لا يحل تلاوته وفاقًا لبدعتهم؛ أجمع رأي المسلمين أن يتفقوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم, فاختاروا من كل مصر وجه إليها مصحف أئمة مشهورين بالثقة، والأمانة في النقل، وحسن الدراية، وكمال العلم؛ أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم، وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم، ولم تخرج قراءتهم عن خط مصحفهم، فوضع الأئمة لذلك ميزانًا يرجع إليه، وهو السند والرسم والعربية، فكل ما صح سنده ووافق وجهًا من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحًا مجمعًا عليه، أو مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله، ووافق خط مصحف من المصاحف المذكورة، فهو من السبعة الأحرف المنصوصة في الحديث, فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في قراءة وجب قبولها سواء كانت عن السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، نص على ذلك الداني وغيره ممن يطول ذكرهم، إلا أن بعضهم لم يكتف بصحة السند، بل اشترط مع الركنين التواتر، والمراد بالمتواتر ما رواه جماعة عن جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب من البداءة إلى المنتهى".
    وقال ابن الصلاح؛ كما في "البرهان في علوم القرآن"، و"مناهل العرفان في علوم القرآن": "يُشترط أن يكون المقروء به على تواتر نقله عن رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قرآنًا واستفاض نقله بذلك، وتلقته الأمة بالقبول، كهذه القراءات السبع؛ لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع... ويجب منع القارئ بالشواذِّ وتأثيمه بعد تعريفه، وإن لم يمتنع فعليه التعزير بشرطه".
    وقد اتفق على أن قراءات الأئمة العشرة متواترة، مقروء بِها، وعلى أن ما خالفها من اختيارات غيرهم شاذة، غير مقروء بِها.
    فأما القراء العشرة ورواتهم فهم: نافع من روايتي قالون وورش عنه. وابن كثير من روايتي البزي وقنبل عن أصحابهما عنه. وأبو عمرو من روايتي الدوري والسوسي عن يحيى اليزيدي عنه. وابن عامر من روايتي هشام وابن ذكوان عن أصحابهما عنه. وعاصم من روايتي أبي بكر شعبة بن عياش وحفص بن سليمان عنه. وحمزة من روايتي خلف وخلاد عن سليم عنه. وعلي بن حمزة الكسائي من روايتي أبي الحارث والدوري عنه. وأبو جعفر يزيد بن القعقاع من روايتي عيسى بن وردان وسليمان بن جماز عنه. ويعقوب بن إسحاق الحضرمي من روايتي رويس وروح عنه. وخلف بن هشام البزار من روايتي إسحاق الوراق وإدريس الحداد عنه.
    وفي القراءات الشاذة أيضًا أربعة أئمة: ابن محيصن محمد بن عبد الرحمن المكي من روايتي البزي السابق، وأبي الحسن بن شنبوذ. واليزيدي يحيى بن المبارك من روايتي سليمان بن الحكم وأحمد ابن فرح بالحاء المهملة. والحسن البصري من روايتي شجاع بن أبي نصر البلخي والدوري السابق ذكره، والأعمش سليمان بن مهران من روايتي الحسن بن سعيد المطوعي، وأبي الفرج الشنبوذي الشطوي.
    غير أنه توجد قراءات أخرى تروى عن الصحابة وغيرهم غير القراءات العشر المجمع على تواترها, وغير القرءات الأربع الشواذ المذكورة.
    قال شهاب الدين أحمد الدمياطي في "إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر": "قال عبد الوهاب بن علي السبكي: القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلومٌ من الدين بالضرورة أنه منَزَّل على رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهلٌ، وليس تواتر شيء منها مقصورًا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلمٍ يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ولو كان مع ذلك عامِّيًّا جلفًا، لا يحفظ من القرآن حرفًا".
    ومما يجب أن يُعلم ويؤخذ في الاعتبار أن أكثر أئمة القراءات, والذين نقلوا الرواية بها؛ هم أئمة في الحديث والفقه واللغة, ويُروى عنهم في كتب السنن.
    ثم دارت أسانيد القراء العشرة على ثمانية من الصحابة هم:
    1 - عثمان بن عفان.
    2 - علي بن أبي طالب.
    3 - أبي بن كعب.
    4 - عبد الله بن مسعود.
    5 - زيد ابن ثابت.
    6 - أبو موسى الأشـعري.
    7 - أبو الدرداء.
    8 - عمر بن الخطاب.
    ع2:
    القراءات الشاذة في القرنين الثالث والرابع
    ج1: القراءات الشاذة: أحكامها وآثارها، إدريس حامد محمد.
    اتفق المفسرون على عدم اعتبار القراءة الشاذة قرآنًا، ولكنهم اختلفوا في الاحتجاج بها في تفسير الآية وبيان معناها على رأيين مختلفين معارض ومؤيد، فالذين عارضوا الاحتجاج بالقراءة الشاذة في تفسير بعض الآيات وتجلية معانيها إنما ذهبوا هذا المذهب؛ لأنهم يرون أن الراوي لم يروه في معرض الخبر، بل في معرض القرآن، ولم يثبت فلا يثبت. قالوا: وإذا بطل كونه قرآنًا بطل من أصله، فلا يحتج به على شيء، وتزعم هذا الرأي المعارض للاحتجاج بالشاذ الإمام الرازي، وكذا ابن العربي المالكي.
    فكان الرازي يذكر القراءة الشاذة، ثم يناقشها ويردها بوضوح، ففي قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} بزيادة لفظ "فيهن" بعد "فإن فاءوا" قال الرازي: والصحيح أن القراءة الشاذة مردودة؛ لأن كل ما كان قرآنًا وجب أن يثبت بالتواتر، فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن، وأولى الناس بهذا أبو حنيفة، فإنه بهذه الحروف تمسك في أن التسمية ليست من القرآن، فالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة وجب القطع بفسادها.
    ويقول ابن العربي: القراءة الشاذة لا ينبني عليها حكم؛ لأنه لم يثبت لها أصل، وقد رد العلماء المجيزون للاحتجاج بها على المانعين بقولهم: بأنه لا يلزم من التسليم ببطلان كونه قرآنًا التسليم بعدم كونه خبرًا؛ ولذلك إذا بطل كونه قرآنًا لم يمنع ذلك من الاحتجاج بها كأخبار الآحاد التي ليست بقرآن.
    يقول القرطبي: وإن لم يثبت كونه قرآنًا فقد ثبت كونه سنة وذلك يوجب العمل كسائر أخبار الآحاد.
    أما الفريق الثاني: فيرى الأخذ بالقراءة الشاذة إذا أضافت إلى الآية القرآنية معنى نحويًا أو صرفيًا أو جاءت فأكدت معنى ورد في قراءة متواترة، ويمثل هذا الفريق إمام المفسرين ابن جرير الطبري، والإمام القرطبي، وأبو حيان، ومن حذا حذوهم.
    ويرى هذا الفريق أن المعنى التفسيري الذي ينتج عن اختلاف القراءات الشاذة الصحيحة السند إن لم يكن من باب تفسير القرآن بالقرآن لعدم الجزم بقرآنيتها من عدمه، فإنه يكون من باب تفسير القرآن بالسنة، إذا رفع الصحابي القراءة إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وعلى أقل الأحوال فإنه يكون من باب تفسير القرآن بأقوال الصحابة.
    وهذا ما أكده أبو عبيد بقوله: المقصد من القراءات الشاذة تفسير القراءة المشهورة، وتبيين معانيها كقراءة عائشة، وحفصة: "والوسطى صلاة العصر"، وقراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانه"، وقراءة جابر "فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم" قال: فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن.
    وقد كان يروي مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن، فكيف إذا روي عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة، فهو أكثر من التفسير، وأقوى فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل.
    وعلى هذا، فالقراءة الشاذة التي خالفت رسم المصحف، وصح سندها إما أن يصرح الصحابي برفعها إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام- فتكون بمثابة خبر الآحاد المنقول عنه في تفسير القرآن، وإما أن لا يصرح الصحابي برفعها فأدنى أحوالها أن تكون من قول الصحابي في تفسير القرآن.
    وبهذا نعلم أن القراءة الشاذة مفيدة في بيان الآية القرآنية خلافًا لمن رأى عدم الاحتجاج بها في مجال التفسير، وعليه فالقول الراجح: هو العمل بالقراءة الشاذة التي صح سندها، ووافقت العربية، وخالفت رسم المصحف، وعليه جماهير العلماء من المفسرين والفقهاء، ذكر ذلك القاضي أبو الطيب، والقاضي حسين، والرافعي، وغيرهم؛ تنزيلًا لها منزلة خبر الآحاد، وصححه ابن السبكي.
    موقف الفقهاء من القراءة الشاذة:
    لم يخالف أحد من الفقهاء أن التواتر يفيد القطع واليقين بصحته قولًا وعملًا، أما ما لم يتواتر فهو الشاذ الذي لا يسمى قرآنًا، لكن من حيث العمل به والاعتماد عليه في استنباط الأحكام الشرعية العملية اختلف الفقهاء على النحو الآتي:
    أولًا: المذهب الحنفي:
    ذهب فقهاء هذا المذهب إلى أنه يجوز العمل والاحتجاج بالقراءة الشاذة في استنباط الأحكام الشرعية العملية، وذلك إذا صح سندها ولذلك يقولون بوجوب التتابع في صوم كفارة اليمين مستدلين بقراءة ابن مسعود في قول الله: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، ومؤكدين حجتهم أن القراءات الشاذة إما أن تكون قرآنًا نسخت تلاوته، وإما أن يكون خبرًا وقع تفسيرًا.
    وحكا هذا الرأي الآمدي من الشافعية، والفتوحي من الحنابلة عن الإمام أبي حنيفة.
    ثانيًا: المذهب المالكي:
    ذهب فقهاء هذا المذهب في صحة العمل بالقراءة الشاذة ثلاثة مذاهب:
    الأول: المشهور في المذهب، وظاهر الرواية في "الموطأ": لا يصح الاحتجاج بالقراءة الشاذة.
    حكى هذا الرأي الفتوحي عن الإمام مالك، واختاره ابن الحاجب.
    الثاني: القراءة الشاذة تجري مجرى الآحاد في العمل بها دون القطع، حكى هذا القول الفتوحي عن الإمام مالك.
    يقول ابن عبدالبر: الاحتجاج بما ليس في مصحف عثمان قال به جمهور العلماء، ويجري عندهم مجرى خبر الواحد في العمل به دون القطع.
    الثالث: يعمل بالشاذ على وجه الاستحباب؛ لأن الإمام مالك كان لا يرى الإعادة فيمن فرق قضاء رمضان قائلًا: ليس عليه إعادة وذلك مجزي عنه، وأحب ذلك إلي أن يتابعه.
    وبهذا يظهر أن فقهاء المذهب المالكي اختلفوا في شأن القراءة الشاذة بين رافض لها ومستحب، ومجيز الاحتجاج بها، فإذا ثبتت عندهم مع وجود سند قوي لها أخذوا بها كما حدث في ميراث الإخوة لأم، حيث عملوا بمقتضاها لوجود الإجماع الذي قواها.
    ومن حجتهم في رفضها يرون أن الشاذ ليس كتابًا، ولا سنة، ولا إجماعًا، ولا قياسًا، ولا غير ذلك من الأدلة الشرعية، ويتبين من ذلك أن القراءة الشاذة لا تكون حجة عندهم إلا إذا عضدها خبر آخر غير القراءة، فبوجود الخبر يأخذون بها وبعدمه لا، فدل هذا على أنهم يأخذون بالخبر لا بالقراءة.
    ثالثًا: المذهب الشافعي:
    ذهب فقهاء هذا المذهب في الاحتجاج بالقراءة الشاذة مذهبين:
    الأول: يصح العمل بها كما حكى ذلك الكمال بن الهمام الحنفي عن الإمام الشافعي، ونسبه جمال الدين الأسنوي لأبي حامد الغزالي، والماوردي.
    قال السبكي: وأما إجراؤه مجرى الآحاد فهو الصحيح.
    وقال البلقيني: إن الأصحاب تكلموا على القراءة الشاذة فقالوا: إن أجريت مجرى التفسير والبيان عمل بها. وإن لم تكن كذلك، فإن عارضها خبر مرفوع قدم عليها أو قياس ففي العمل بها قولان.
    يفهم من كلام هذا الإمام أن الشافعية يقبلون القراءة البيانية، ويعملون بها إذا صح سندها، ولم يكن لها خبر يعارضها أو قياس.
    الثاني: لا يصح العمل بالقراءة الشاذة قال الجويني: إنه ظاهر المذهب، واختاره الآمدي، ونسبه إلى الإمام الشافعي، وإليه ذهب الغزالي في المستصفى، وجزم به النووي في المجموع، وحكاه الفتوحي من الحنابلة عن الشافعي، ولعل الإمام الشافعي كان يؤثر المأثور، بل يرى أن آراء الصحابة خير لنا من آرائنا لأنفسنا.
    وهذا خلاف ما شاع عند كثير من الأصوليين أن الإمام الشافعي لا يحتج بالقراءة الشاذة، بل كثير من فتاواه تدل على اعتبار القراءة الشاذة والاستدلال بها كما أثبته من تتبع آراءه في مذهبه.
    رابعًا: المذهب الحنبلي:
    بالنظر والتأمل إلى كتب الحنابلة وآراء علماء المذهب نجدهم أخذوا بالقراءة الشاذة واحتجوا بها، فهذا ابن قدامة ذكر أقوال العلماء في عدد الرضعات المحرمات، وذكر أن عددها كانت عشرًا، ثم نسخن وأصبحن خمسًا، وهذا يفيد احتجاجهم بالشاذ، واستدلالهم به في بعض الأحكام الواردة عنهم.
    وعليه يكون الإمام أحمد قد وافق غيره في جواز العمل بالقراءة الشاذة، ونقل ابن كثير عن الحنابلة وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين؛ لأن ذلك روي عن أبي ابن كعب وغيره أنهم كانوا يقرونها هكذا "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" بزيادة لفظ "متتابعات".
    غير أنّ هناك رواية أخرى عن الإمام أحمد بن حنبل تفيد عدم صحة الاحتجاج بالقراءة الشاذة.
    لكن الأغلب في كتب المذهب وآراء علمائه أنهم يقبلون القراءة الشاذة، ويحتجون بها في الأحكام.
    ع3:
    القراءات الشاذة عند الإمام الطبري وابن مجاهد وأبي جعفر النحاس
    ج1: القراءات الشاذة: أحكامها وآثارها، إدريس حامد محمد.
    سبق أن ذكرنا من قبل في أنواع القراءات أنها تنقسم إلى قراءات متواترة، وشاذة، ومردودة، أما الأخيرة: فلا يعول إليها بأي حال من الأحوال، أما الأولى فالمعنى التفسيري الناتج عن اختلافها، إنما هو من باب تفسير القرآن بالقرآن، والمقصود هنا: بيان أثر التفسير الناتج من القراءات الشاذة، فهذا إن لم يكن من باب تفسير القرآن بالقرآن لعدم الجزم بقرآنيته، فلا أقل من أن يكون من باب تفسير القرآن بقول النبي -عليه الصلاة والسلام-، أو على أدنى أحواله أن يكون من نوع تفسير القرآن بقول الصحابي، وإليه ذهب أكثر الفقهاء والمفسرين.
    يقول ابن جني مبينًا هذا النوع من القراءات: وضرب تعدى ذلك فسماه أهل زماننا شاذًا، أي: خارجًا عن قراءة القراء السبعة المقدم ذكرها، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه محفوف بالروايات من أمامه وورائه، ولعله أو كثير منه مساو في الفصاحة للمجتمع عليه.
    وقد أدرك المفسرون قديمًا وحديثًا أثر القراءات سواء كانت متواترة أم شاذة في بيان معان جديدة للآيات القرآنية، فهذا ابن عباس يبين أثر القراءة الشاذة في بيان معنى جديد للآية في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَْرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}، ففسر "فومها" بالحنطة، وهي القراءة المتواترة.
    كما فسرها بالثوم على قراءة ابن مسعود، وهي شاذة، قال: هو هذا المنتن -يعني: الثوم- وبهذا نعلم أن المفسرين تعاملوا مع القراءات، وكأنها آيات مستقلة من حيث دلالاتها على المعاني.
    ونستطيع أن نقرر في ضوء ذلك، أن من حكم وجود القراءات إثراء المعاني اللغوية إضافة إلى الحكم السابق ذكرها، فيكون للقراءات أثرها الكبير في اختلاف المعنى. ونظرًا لعظم الموضوع وتشعبه يمكن الاقتصار على نماذج من أثر القراءات الشاذة في التفسير تتناول الموضوعات التالية:
    1- القراءات الشاذة التي بينت معنى الآية.
    2- القراءات الشاذة التي وسعت معنى الآية.
    3- القراءات الشاذة التي أزالت الإشكال.
    القراءة التي بينت معنى الآية:
    النموذج الأول:
    قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ}، قرأها عامة القراء العشرة "غلف" بإسكان اللام، وقرأها ابن عباس، والأعرج، وابن محيصن بضم اللام "غلف"، وهي قراءة شاذة.
    معنى القراءتين: المتواترة: تعني أن قلوبهم مستورة عن الفهم والتمييز، ومعنى القراءة الشاذة "غلف" جمع غلاف، مثل: خمر جمع خمار، والمعنى يحتمل الوجوه التالية:
    1- أنها أوعية للعلم أقاموا العلم مقام شيء مجسد، وجعلوا الموانع التي تمنعهم غلفا له؛ ليستدل بالمحسوس على المعقول.
    2- إنها أوعية للعلم تعي ما تخاطب به، لكنها لا تفقه ما تحدث به.
    3- أنها أوعية مملوءة علمًا.
    4- أنها أوعية خالية كالغلاف الخالي لا شيء فيها.
    وبالتالي نجد أن القراءة الشاذة بينت ما يتذرعون به من الحجج في عدم قبولهم دعوة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وبذلك نجدها أنها بينت حال قلوبهم.
    النموذج الثاني:
    قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، قرأها عامة القراء العشرة "يطيقونه" بضم الياء وتخفيف الطاء [73، ج1، ص231].
    وقرأها ابن عباس في المشهور عنه "يطوقونه" بضم الياء وتخفيف الطاء، وواو مفتوحة مشددة، مبنيًا للمفعول: أي يكلفونه.
    وقرأها كل من عائشة، ومجاهد، وطاووس "يطوقونه"، وأصله: يتطوقون أي: يتكلفون.
    وقرأ ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: "يطيقونه".
    معنى القراءات:
    المتواترة معناها القادر على الصوم له أن يترك الصوم إلى الفدية، ولا يلزمه القضاء، وهي على هذا منسوخة.
    ومعنى القراءة الشاذة، أن الذي يتكلف الصوم ويكون له كالطوق في عنقه له أن يتركه إلى الفدية، ولا يلزمه القضاء، وهي على الشيخ الكبير، وكذا العجوز، والمرضع، والحامل، واختلف العلماء في هذه القراءة، فمنهم من أثبتها قرآنًا، ومنهم من أثبتها تفسيرًا له وبيانًا يقول القرطبي: "يطوقونه" ليست من القرآن خلافًا لمن أثبتها قرآنًا، وإنما هي قراءة على التفسير. وقال أبو حيان ردًا عليه: قال بعض الناس: هو تفسير لا قراءة خلافًا لمن أثبتها قراءة.
    لكننا نجد أنّ ابن جني، والعكبري أثبتاها ضمن القراءات الشاذة، فأما ابن جرير الطبري فقد رد القراءة الشاذة، وأثبت القراءة المتواترة مستدلًا بأنها قراءة الكافة، وعليها مصاحفهم.
    القراءات الشاذة التي وسعت معنى الآية:
    النموذج الأول:
    قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ}.
    القراءة المتواترة: بنصب العمرة أفادت مجرد الأمر بإتمامها بعد الشروع فيهما لله.
    القراءة الشاذة: برفع العمرة أفادت الأمر بإتمام الحج، ثم استأنفت بكلام جديد أن العمرة لله؛ ليفيد مزيد الاهتمام بالعمرة، وأنها لا تكون إلا لله، وفيه زيادة المحافظة عليها.
    ومن القراءات الشاذة: "أقيموا الحج والعمرة لله"، وقرئ "أقيموا الحج والعمرة إلى البيت لله".
    فالأولى: أفادت الإدامة على فعلهما والمحافظة عليهما.
    والثانية: أفادت التنصيص على قصد بيت الله الحرام بالحج والعمرة لا إلى غيرهما.
    قال أبو حبان بعد إيراده القراءات الشاذة السابقة: وينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
    ويظهر من القراءات الشاذة كيف أنها وسعت معاني الآية وعددت منه.
    قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}.
    قرأ عامة القراء العشر: "كاتبً".
    وقرأ ابن عباس، والحسن "كتابً" بضم الكاف وتشديد الفاء بعدها ألف.
    وقرأ أبي ابن كعب، ومجاهد، وأبو العالية "كتبً" بكسر الكاف وفتح التاء المخففة.
    فكانت القراءات الشاذة في هذه الكلمة على النحو التالي:
    (1) "كُتابًا" على الجمع. (2) "كتبًا" بدون ألف على الجمع أيضًا.
    (3) "كتابًا" أي ما يكتبون. (4) "كتبًا" أي على الجمع.
    وسعت القراءة الشاذة معنى الآية، فدلت على أن الرهن يكون لفقد الكتابة قال أبو حبان: نفي الكاتب يقتضي نفي الكتابة ونفي الكتابة يقتضي أيضًا نفي الكتب.
    وأورد ابن جرير الطبري قول ابن عباس في الآية، قال: قد يوجد الكاتب ولا يوجد القلم ولا الدواة ولا الصحيفة، والكتاب يجمع ذلك كله، قال: وكذلك كانت قراءة أبي بن كعب. فتأمل كيف أن القراءات وسعت معاني الآية الكريمة.
    النموذج الثاني:
    قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} قوله: "أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا" فيها أربع قراءات: متواترتان وشاذتان:
    قرأ يعقوب بمد الهمزة مع التخفيف "آمرن"، وقرأ باقي العشرة بدون مد وبفتح الميم "أمَرن" فهاتان قراءتان متواترتان.
    وقرأ الحسن، ويحيى بن يعمر بكسر الميم مع تخفيفها "أمِرن"، وقرأ ابن عباس، وأبو العالية، وغيرهما بتشديد الميم "أمّرن"، وهاتان قراءتان شاذتان.
    معاني القراءات:
    "آمرنا مترفيه" بمعنى: كثرنا مترفيها.
    "أمرنا مترفيه" قيل معناه: أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وقيل: كثرنا مترفيها، وقيل معناه: سلطنا مترفيها بالأمارة.
    أما قراءة "أمِرن": من أمِر القوم إذا كثروا وقد أمرهم الله أي: كثرهم.
    أما قراءة "أمّرن": ففيها قولان: الأول: كثرنا، الثاني: ولينا مترفيها وصيرناهم أمراء.
    ويتبين لنا من خلال عرض هذه القراءات متواترها وشاذها وبيان معانيها أن القراءات كيف وسعت معاني الآية الكريمة، وبه يتبين أثر القراءات في توسيع معاني الآية.
    القراءات الشاذة التي أزالت الإشكال:
    النموذج الأول:
    قوله تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآْخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}.
    قرأ عامة القراء العشرة "أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ"، وقرأ الحسن، وزيد بن علين وطاووس "أصيب به من أساء".
    أفادت القراءة المتواترة أن الله يصيب بعذابه من يشاء، ولا يملك أحد أن يرد ما أراد الله، فهو تعالى عدل لا يظلم أحدًا، ولغير الراسخين وغير المتأملين يقع منهم من أول وهلة أن عذاب الله يصيب به من يشاء من عباد الله أساء أم لم يسئ، وهذا إذا كان بالنظر المجرد إليها دون النصوص الأخرى، فتأتي القراءة الشاذة لتزيل هذا الإبهام، وتدفعه، وبهذا يتضح من القراءتين أن عذاب الله يصيب من يشاء من عباده من أساء منهم.
    وقد ذكر الإمام الرازي أن الإمام الشافعي اختار هذه القراءة الشاذة.
    النموذج الثاني:
    قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاََّّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} قرأ عامة القراء العشرة "أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ"، وقرأ ابن مسعود، وابن عباس "أن يضعن جلابيبهن".
    ففي القراءة المتواترة: الثياب اسم عام يشمل كل ما يلبس ويقصد به هنا: ما تلبسه المرأة فوق ملابسها بحضرة الأجانب.
    أما القراءة الشاذة: فبينت المعنى المراد من الثياب، وهو الجلباب المشتمل على الجسد مما يلبس فوق الثياب كالملحفة.
    فكان في القراءة الشاذة دفع الإشكال المتوهم من القراءة المتواترة في المقصود من الثياب.
    النموذج الثالث:
    قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون} قرأ عامة العشرة "فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ"، وقرأ عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبي، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم "فامضوا".
    معنى القراءتين:
    المتواترة ظاهرها السعي الذي يتمثل فيه الخفة والسرعة، وهذا فيه إيهام بالسعي جاءت الشاذة فأزالت هذا الإيهام، وبينت أن المراد من السعي هو السعي القلبي الذي يدل على الاهتمام والإقبال عليها حتى لا تفوتهم، وإنما إذا أرادوا الصلاة بعد سماع النداء أن يمشوا بسكينة ووقار، وهذا الذي فهمه السلف، وعملوا به انطلاقًا من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)).
    وقد أشار القرطبي، وأبو حيان بأن هذه القراءة الشاذة تحمل على أنها قراءة تفسيرية.وبهذا يتبين أن القراءة الشاذة أزالت الإشكال ورفعت التوهم الوارد في القراءة المتواترة؛ لأن المضي ليس من مدلوله السرعة.
    ع1:
    القراءات الشاذة عند ابن خالويه وابن جني ومكي بن أبي طالب
    ج2:
    المنهاج في الحكم على القراءات، لإبراهيم بن سعيد الدوسري.
    وأما المصادر التي تضمنت القراءات الشاذة فكـ"مختصر شواذّ ابن خالويه" (ت 370 هـ) و"المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها" لابن جني (ت 392 هـ) و"التقريـب والبيان في معرفة شواذّ القرآن" للصفراوي (ت 636 هـ) و"شواذ القرآن واختلاف المصاحف" للكرماني، وغيرها...
    فهذه الكتب وأمثالها أصل مادتها القراءات الشاذة، فما حوته من القراءات حكم عليها بالشذوذ، إلا أن يكون الوجه من القراءة مستعملا في القراءات المتواتر، فما كان كذلك فهو معدود في المتواتر، وإن نسب في تلك المصادر إلى غير القراء العشرة المشهورين، لأن العبرة باستيفاء الشروط وليس بمن تنسب إليهم القراءة، على أنها عند الاستقراء لا تخرج عن الأئمة العشرة كما سبق بيانه.
    ع1:
    الملامح العامة لحركة القراءات الشاذة
    ج2:
    ج1: القراءات الشاذة: أحكامها وآثارها، إدريس حامد محمد.
    سبق أن ذكرنا من قبل في أنواع القراءات أنها تنقسم إلى قراءات متواترة، وشاذة، ومردودة، أما الأخيرة: فلا يعول إليها بأي حال من الأحوال، أما الأولى فالمعنى التفسيري الناتج عن اختلافها، إنما هو من باب تفسير القرآن بالقرآن، والمقصود هنا: بيان أثر التفسير الناتج من القراءات الشاذة، فهذا إن لم يكن من باب تفسير القرآن بالقرآن لعدم الجزم بقرآنيته، فلا أقل من أن يكون من باب تفسير القرآن بقول النبي -عليه الصلاة والسلام-، أو على أدنى أحواله أن يكون من نوع تفسير القرآن بقول الصحابي، وإليه ذهب أكثر الفقهاء والمفسرين.

    Attached Files Attached Files
    • File Type: pdf 4.pdf (188.5 KB, 0 views)

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •