Results 1 to 1 of 1

Thread: المرجع:علم الاجتماع التربوي: الدرس 17

  1. #1
    Super Moderator
    Join Date
    Dec 2012
    Posts
    8,264
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    Blog Entries
    347

    المرجع:علم الاجتماع التربوي: الدرس 17

    ع1:
    علم الاجتماع التربوي: مفهومه، ومجالاته، وتطويره، وأهدافه
    ج1:
    الموسوعة العربية.
    علم الاجتماع التربوي:
    علم الاجتماع التربوي sociology of education، وهو العلم الذي يدرس أثر العمل التربوي في الحياة الاجتماعية، ويدرس في الوقت نفسه، أثر الحياة الاجتماعية في العمل التربوي، أو هو العلم الاجتماعي الذي يدرس الظاهرة التربوية في مناحيها المتعددة، وفي إطار تفاعلها مع الواقع الاجتماعي.
    مجالات علم الاجتماع التربوي:
    اهتم علم الاجتماع التربوي بمسائل مثل إيصال القيم الاجتماعية والثقافية والتربوية والدينية والوطنية إلى الطفل عن طريق النظام التعليمي، كما أنه يدرس المحددات الاجتماعية التي تؤثر في تقرير السياسات التربوية وأهداف النظام التعليمي، وكذلك تأثير المؤسسات الاجتماعية في النظام التعليمي، وتأثير العلاقة بين المدرسة والأسرة، في التحصيل المدرسي للطلاب، ودور النظام التعليمي في الحراك الاجتماعي، وأثر الأنماط الثقافية السائدة على النظام المدرسي، والتعلم عن طريق جماعات الأقران، والعلاقات بين أفراد تلك الجماعات، ودور التربية في إعداد الناشئة لسوق العمل، والتحليل الاجتماعي لبنية النظام المدرسي والعلاقات السائدة فيه، ودور النظام المدرسي بصفته أداة للسيطرة الاجتماعية والضبط، وإعادة إنتاج العلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائدة، وتحديد الطبقات الاجتماعية المستفيدة من النظام المدرسي، والتي تطبعه بخصائصها اللغوية والثقافية، وأخيرًا دور التربية في عمليات التحديث الاجتماعي.
    تطور علم الاجتماع التربوي:
    ظهر هذا العلم نتيجة لجملة من التطورات الاجتماعية، منها توقع دور النظام التعليمي في ترسيخ الديمقراطية الاجتماعية والتربوية والحراك الاجتماعي عن طريق التحصيل المدرسي، وإعداد الطلاب للحصول على فرص عمل، وتعزيز دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية للطفل، وتمثل أعمال إميل دوركهايم mile Durkheim (1858-1917)، وماكس فيبر Max Weber (1864-1920)، وكارل ماركس Karl Marx (1818-1883)، المقدمات النظرية لولادة علم الاجتماع التربوي. وقد تجلى إسهام كل منهم في هذا المجال في كتبه، إذ كتب دوركهايم: "التربية والمجتمع" ducation et sociologie و"التطور التربوي في فرنسة" volution pédagogique en France وأسهم كتاب ماكس فيبر "الأخلاق البروتستنتية وروح الرأسمالية" L'éthique Protestante et l'esprit du capitalisme في شرح التطور الاجتماعي الرأسمالي في أوربة الغربية، وعرض كارل ماركس الفكر الاجتماعي التربوي بشرح تأثير البنية التحتية، وأنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج، على البنية الفوقية كالبناء الثقافي والحقوقي للمجتمع والنظام التربوي والمدرسي السائد، كما ركز على أهمية الموازين الطبقية في العملية التربوية، وعلى قيم كل طبقة اجتماعية وتصوراتها. وانتقد تربية الأطفال بأساليب الإكراه في المجتمعات الرأسمالية
    ومهد هؤلاء الرواد لتطور علم الاجتماع التربوي، فقد بحث جاكار P.Jaccard في كتابه "علم الاجتماع التربوي" (1963) أفكار دوركهايم، كما درس كل من جيرار A.Girard وباستيد K.Pastide، أثر الانتماء الاجتماعي في قوة التحصيل المدرسي في بحثهما "حول الطبقة الاجتماعية، وديمقراطية التعليم"، عام 1963، وكتب بول كلارك Paul Clerc حول "الأسرة والتوجيه المدرسي لتلامذة الصف السادس الابتدائي". ولعل أكثر الأعمال إثارة للاهتمام والجدل هي الدراسة التي قام بها كل من بورديو Bourdieu وباسرون J.C.Passeron بعنوان "إعادة الإنتاج: حول نظرية نظام التعليم" La reproduction: pour une théorie du système d'enseignement وهي دراسة تكشف عن أن النظام التعليمي السائد في فرنسة يعيد بناء العلاقات الإنتاجية القائمة على تعزيز السيطرة الاقتصادية للطبقات السائدة.
    وتكررت الفكرة نفسها في عمل كل من بودلو Baudelot واستابليه Estabelet في كتابهما "المدرسة الرأسمالية في فرنسة" L'école capitaliste en France عام 1971- ويبين ريموند بودون Bodon في بحثه "ثقافات الحظوظ التعليمية" عام 1974، أثر النظام المدرسي في عملية الحراك الاجتماعي في المجتمعات الصناعية.
    ولعل أبرز الأعمال المهمة التي صدرت في بريطانية هو ما قام به فريد كلارك، حول "التربية والتغير الاجتماعي" الصادر في لندن عام 1940، محللًا تاريخ التربية في المجتمع البريطاني، وداعيًا إلى توظيفها في خدمة الطبقات السائدة، واهتم باسيل برنشتاين Basil Brenstien عام 1975 بمسألة العلاقة بين اللغة والانتماء الطبقي، مبينًا أن لغة النظام المدرسي في بريطانية كانت وما تزال تعكس فكر الطبقات المتوسطة في المجتمع البريطاني. وقدمت مرغريت آرشر Margaret Archer في كتابها "الأصول الاجتماعية للأنظمة التربوية" Social Origins of Educational Systems الصادر في لندن عام 1967، تحليلًا للقوى الاجتماعية التي أثرت في تطور النظام المدرسي لخدمة مصالحها الاجتماعية والاقتصادية. وبين فرانك مسغروف F. Musgrove في كتابه "المدرسة والنظام الاجتماعي" School and Social Order الصادر في لندن عام 1968، دور المدرسة في تعزيز التفاوت الطبقي بين طلابها، ويؤكد كتاب مايكل دون المعروف باسم "التربية في بريطانية" Education in Britain الصادر في لندن عام 1979 وفي الفصل المعنون باسم "التربية والفقر"، الحقيقة نفسها مبينًا أن النظام التعليمي في بريطانية جعل الناس المستفيدين منه قادرين على تحسين ظروف حياتهم المعيشية. وقام جون ديوي J. Dewey (1859-1952) بدراسات تربوية واجتماعية وخاصة في كتابيه "المدرسة والمجتمع" The School and Society عام 1899، و"الديمقراطية والتربية" Democracy and Education عام 1916 مبينًا أثر الحياة الاجتماعية التقليدية في العمل التربوي، وترك هذان الكتابان أثرًا تربويًّا كبيرًا في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت مؤلفاته إجمالًا مؤثرة في التربية والمجتمع العالمي بتركيزه على الخبرة والحرية والديمقراطية والتعاون بين التلاميذ وأبناء المجتمع. ويؤكد داتون S.T.Datun في كتابه "الجوانب الاجتماعية للتربية" عام 1900، ضرورة ربط التربية بخبرات الطفل الاجتماعية في المنزل والمجتمع المحلي. وكان لهنري سوزلو H. Suzzlo فضل استعمال تعبير "علم الاجتماع التربوي" في الولايات المتحدة الأمريكية أول مرة عام 1910 في جامعة كولومبية.
    وفي المرحلة نفسها صدر أيضًا كتاب وليم هاولي سميث W.H.Smith "مدخل إلى علم الاجتماع التربوي"، الذي عرف هذا العلم بأنه "يستخدم نظرية علم الاجتماع وميادينه في دراسة قضايا التربية ونظرياتها وممارستها ويطلق البعض على جورج باين G.Payne، لقب "أبو علم الاجتماع التربوي" فقد أصدر نشرة علم الاجتماع التربوي عام 1928، التي أصبحت فيما بعد النشرة الرسمية للجمعية الوطنية لعلم الاجتماع التربوي التي تأسست عام 1923-
    وفي الستينات والسبعينات من القرن العشرين حصلت أزمات اجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب البطالة والجريمة والصراعات العرقية، وصدرت مجموعة من الدراسات المهمة حول ديمقراطية التعليم، لعل أشهرها الدراسة المشتركة لكل من باول وجنتس Bowels- Gentis بعنوان "النظام المدرسي في أمريكة الرأسمالية" Schooling in Capitalist America الصادرة عام 1977، وكذلك دراسة إيفان إيليتش I.Iliych الشهيرة بعنوان "اللامدرسية" Deschooling. لقد حلل كل من باول وجنتس الطابع الطبقي للنظام المدرسي في الولايات المتحدة الأمريكية الذي يعزز فرص أبناء الطبقة الغالبة من الطلاب في النجاح الاقتصادي والمادي، في حين اهتم ايليتش ببيان مساوئ النظام المدرسي وطابعه القهري، ولذلك نعتها بهذه التسمية ودعا إلى التعلم الذاتي والتعلم عن طريق جماعات الأقران التعليمية، وكتب بعد ذلك عددًا من الكتب بالاتجاه نفسه مدعمًا أقواله بتطور التقنيات ونظم المعلومات وتغيرها مما يؤدي إلى تغييرات اجتماعية وتربوية سريعة.
    ويحلل باتريك فيتز Patrich Fitz في كتابه "التربية والحراك الاجتماعي في الاتحاد السوفييتي" Education and Social Mobility in the Soviet Union الصادر في لندن عام 1979، دور المدرسة السوفييتية في تمكين أبناء الطبقات الفقيرة من المجتمع السوفييتي من تحسين ظروف حياتهم المعيشية.
    وأسهمت الدراسات الاجتماعية في دول العالم الثالث في الكشف عن مختلف أشكال القهر الاجتماعي والثقافي الذي تعرضت له مجتمعات تلك الدول في حقبة الهيمنة الاستعمارية، مما أدى إلى تعزيز تخلفها الثقافي والتربوي، ويمكن الإشارة هنا إلى كتاب فرانز فانون "معذبو الأرض" ودراسة ج. كابرال J.kabral "السلطة والإيديولوجية" Power and Ideology.
    وقد بينت بعض الدراسات الصادرة في تلك المجتمعات مسئولية الأنظمة المدرسية في عهود الاستعمار عن الأمية الواسعة التي خلفتها في تلك المجتمعات بعد استقلالها، وخاصة اقتصار تعليمها على نخب معينة كي تخدم في أجهزتها الإدارية، وكشف باولو فرايري Paulo Freiri زيف حملات محو الأمية الرسمية في مجتمعات أمريكة الجنوبية والطابع القهري لمضامين المقررات المعتمدة في تلك الحملات لمحو أمية الفقراء من سكان الأحياء الفقيرة في البرازيل، ودعا إلى "تعليم للكبار" قائم على توعية الدارسين في صفوف محو الأمية بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، مما يتيح لهم الإسهام في الإنتاج الاقتصادي والثقافي لمجتمعاتهم، والتخلص من هامشيتهم الاجتماعية. ويتضمن كتابه "تربية المقهورين" Pedagogy of the Oppressed وكتاب "التربية من أجل الحرية" Education for Freedom إشارات واضحة لتمكين الأميين الكبار من التحرر من دونيتهم الاجتماعية والثقافية. وانتشرت أفكار فرايري في أمريكة اللاتينية وبقية أرجاء العالم، ولذلك اختير رئيسًا فخريًّا لمؤتمر تعليم الكبار في العالم الذي عقد في جومتيان في تايلند عام 1990.
    تطور علم الاجتماع التربوي في البلاد العربية:
    قامت معظم الجامعات العربية، وخاصة كليات التربية فيها بتدريس مادة علم الاجتماع التربوي مادة أساسية، إلا أن الدراسات والبحوث العلمية مازالت قليلة في مختلف مجالاته، وهناك دراسات قليلة لباحثين مهدت العلاقة بين فرص التعليم والاعتبارات الاجتماعية مثل دراسة زهير حطب المسماة "تكافؤ الفرص التعليمية للجنسين والاعتبارات الاجتماعية"، المنشورة عام 1981، و"صورة الشخصية العربية في أدبيات الأطفال التجارية في الكيان الصهيوني" لفوزي الأسمر، ودراسة نبيل بدران بعنوان "التعليم والتحديث في فلسطين من عام 1917-1948" المنشورة عام 1971، و"الواقع الاجتماعي والأهداف التربوية" لعدنان عبد الرحيم، ودور التعليم العالي في الحراك الاجتماعي للطلاب الفلسطينيين في بحث "التأثيرات الاجتماعية والتحصيل التربوي" Social Influences and Education Attainments وصدرت كتب جامعية عن كليات التربية في الجامعات العربية، اهتمت بدراسة علم الاجتماع التربوي وخاصة فيما يتصل بتاريخه ومشكلاته وتطبيقاته في الحياة المعاصرة. ونشطت في العقد الأخير من القرن العشرين كليات التربية العربية في تشجيع الطلاب على إعداد رسائل ماجستير ودكتوراه تناقش مشكلات تربوية معينة كالأسباب الاجتماعية للتسرب المدرسي، ومشكلات التعليم في الريف، وقضايا تتصل بدور التعليم في الحراك الاجتماعي، ويمكن أن يكوّن هذا التوجه بداية جدية لتطور البحوث الميدانية في مختلف ميادين علم الاجتماع التربوي.
    أهداف علم الاجتماع التربوي:
    1- إيضاح خصائص التصور الإسلامي للاجتماع الإنساني، والتعرف على سنن الله في المجتمعات من حيث نشأتها ونموها وتطورها.
    2- التعريف بالقواعد والأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم، وبيان الروابط التي يجب أن تنظم أفرده من أخوة وتعاون وتكافل.
    3- إدراك عظمة ما أنجزه المفكرون المسلمون في ميدان علم الاجتماع والتعرف على السبق الكبير الذي حققوه والمنهج السليم الذي أقاموا عليه دراساتهم ومنجزاتهم.
    4- إبراز المفاهيم الاجتماعية الصحيحة، ومن أهمها أن الإنسان مسئول وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي تتعلق بالحياة الاجتماعية.
    5- بيان أن المجتمع المثالي هو المجتمع الذي تسوده روح العقيدة الإسلامية بما تقتضيه من تقدم مادي، وأنه إذا ما تخلف مجتمع ما عن هذا الوضع فقد مثاليته.
    6- تنمية الروح الاجتماعية لدى الطالب بحيث يفكر بمقتضيات عقيدته وحاجات أمته ويهتم بمشاكل مجتمعه كما يهتم بمطالبه الخاصة.
    7- تعريف الطالب بالمؤسسات الاجتماعية الهامة التي تساهم في خدمة المجتمع.
    8- تنمية الصفات القيادية الجيدة التي تقتضيها مصلحة المجتمع عن طريق بيان خصائص القيادة الناجحة.
    9- إبراز الصورة الإسلامية لما يجب أن بكون عليه الفرد والجماعة.
    10- عرض مشكلات المجتمع السعودي وتوجيه الطلاب إلى دراسة مشكلات بيئتهم ومساعدتهم إلى الوصول إلى أفضل حل لها بطريقة علمية وعلى هدي الإسلام.
    11- إبراز أهمية العقيدة والخلق في تماسك المجتمع، وبيان أن المجتمع الإسلامي أمتن المجتمعات وأقواها تماسكًا لقيامه على العقيدة الإسلامية.
    12- إيضاح وحدة الإنسانية والجنس البشري وتصحيح المفاهيم الخاطئة.
    13- بث الروح العلمية التي تساعد عليها مادة علم الاجتماع كملاحظة الحوادث الاجتماعية وتحليلها ومحاولة الوصول إلى أسبابها وسنتها.
    14- تشجيع الطلاب على تتبع الدراسات الاجتماعية التي قام بها أعلام الفكر الإسلامي.


    ع2:
    النظريات الحديثة في علم الاجتماع التربوي
    ج1:
    مجلة المعلم، لمحمد عوض الترتوري.
    النظريات الحديثة في علم الاجتماع التربوي (التفاعلية الرمزية، والنظرية المعرفية):
    أولًا: التفاعلية الرمزية Symbolic Interactionalism:
    تعتبرُ التفاعلية الرمزية واحدةٌ من المحاور الأساسيةِ التي تعتمدُ عليها النظرية الاجتماعية، في تحليل الأنساق الاجتماعية.
    وهي تبدأ بمستوى الوحدات الصغرى (MICRO)، منطلقةً منها لفهم الوحدات الكبرى، بمعنى أنها تبدأُ بالأفراد وسلوكهم كمدخل لفهم النسق الاجتماعي. فأفعالُ الأفراد تصبح ثابتةً لتشكل بنية من الأدوار؛ ويمكن النظر إلى هذه الأدوار من حيث توقعات البشر بعضهم تجاه بعض من حيث المعاني والرموز. وهنا يصبح التركيز إما على بُنى الأدوار والأنساق الاجتماعية، أو على سلوك الدور والفعل الاجتماعي.
    ومع أنها تَرى البُنى الاجتماعية ضمنًا، باعتبارها بنًى للأدوار بنفس طريقة بارسونز Parsons، إلا أنها لا تُشغل نفسها بالتحليل على مستوى الأنساق، بقدر اهتمامها بالتفاعل الرمزي المتشكِّل عبر اللغة، والمعاني، والصورِ الذهنيةِ، استنادًا إلى حقيقةٍ مهمةٍ، هي أن على الفرد أن يستوعب أدوارَ الآخرين.
    إن أصحابَ النظريةِ التفاعلية يبدَءُون بدراستهم للنظام التعليمي من الفصل الدراسي (مكانَ حدوثِ الفعلِ الاجتماعي). فالعلاقةُ في الفصل الدراسي والتلاميذِ والمعلم، هي علاقةٌ حاسمةٌ؛ لأنه يمكن التفاوضُ حول الحقيقة داخل الصفّ، إذ يُدرك التلاميذ حقيقةَ كونهم ماهرين أو أغبياءَ أو كسالى. وفي ضوء هذه المقولات يتفاعل التلاميذ والمدرسون بعضهم مع بعض، حيث يحققون في النهاية نجاحًا أو فشلًا تعليميًا.
    أشهرُ ممثلي النظريةِ التفاعليةِ الرمزية:
    1)جورج هربرت ميد George H. Mead (1863-1931):
    استطاع جورج ميد في محاضراته التي كان يُلقيها في جامعة شيكاغو، على طولِ الفترة من (1894-1931) أن يُبلور على نَحوٍ متقن، الأفكار الأساسية لهذه النظرية. وقد جَمعَ له تلاميذُه كتابًا بعد وفاته، يحتوي على معظم أفكاره التي كانوا يدوّنوها في محاضراته، تحتَ عنوان: (Mind, Self and Society, 1934).
    ويبدأ ميد بتحليل عمليةِ الاتصال، وتصنيفها إلى صنفين: الاتصالُ الرّمزي، والاتصال غير الرمزي. فبالنسبة للاتصال الرمزي فإنه يؤكّد بوضوحٍ على استخدام الأفكار والمفاهيم، وبذلك تكون اللغةُ ذاتَ أهميةٍ بالنسبة لعملية الاتصال بين الناس في المواقفِ المختلفة، وعليه فإن النظام الاجتماعي هو نتاجُ الأفعال التي يصنعُها أفراد المجتمع، ويُشير ذلك إلى أن المعنى ليس مفروضًا عليهم، وإنما هو موضوعٌ خاضع للتفاوض والتداولِ بين الأفراد.
    2)هربرت بلومر H. Blumer (1900-1986):
    وهو يتفق مع جورج ميد في أن التفاعل الرمزيَّ هو السمةُ المميزةُ للتفاعل البشري، وأن تلك السمةَ الخاصةَ تنطوي على ترجمةِ رموزِ وأحداثِ الأفراد وأفعالهم المتبادلة. وقد أوجَزَ فرضياتِه في النقاطِ التالية:
    • إن البشرَ يتصرفون حيالَ الأشياءِ على أساسِ ما تعنيهِ تلك الأشياءُ بالنسبة إليهم.
    • هذه المعاني هي نتاجٌ للتفاعل الاجتماعي الإنساني.
    • هذه المعاني تحوَّرُ وتعدّل، ويتم تداولُها عبر عملياتِ تأويلٍ يستخدمُها كلُّ فردٍ في تعامله مع الإشاراتِ التي يواجهُها.
    3) إرفنج جوفمان Erving Goffman (1922-1982):
    وقد وجَّهَ اهتمامَهُ لتطوير مدخلِ التفاعلية الرمزية لتحليلِ الأنساق الاجتماعية، مؤكدًا على أن التفاعلَ -وخاصةً النمطَ المعياريَّ والأخلاقيَّ- ما هو إلا الانطباع الذهنيُّ الإرادي الذي يتم في نطاق المواجهة، كما أن المعلوماتِ تسهم في تعريف الموقف، وتوضيحِ توقعات الدَور.
    4) كما أن هناك عددًا كبيرًا من العلماء الذين لم تُناقَش أعمالُهم بشكلٍ واسع، مع أنهم من أعلامِ ومؤسسي النظرية التفاعلية الرمزية. ومنهم:
    • روبرت بارك Robert Park، (1864-1944). ووليم إسحاق توماس W. I. Thomas، (1863-1947). وهما من مؤسسي النظرية.
    • مانفرد كون Manferd Kuhn، (1911-1963). وهو عالم اجتماع أمريكي، ومن رواد مدرسة (آيوا) للتفاعلية الرمزية.
    • وكذلك كل من ميلتزر Meltzer، وهيرمان Herman، وجلاسر Glaser، وستراوس Sturauss، وغيرِهم.
    مصطلحاتُ النظريّة:
    1- التفاعل Interaction: وهو سلسةٌ متبادلةٌ ومستمرةٌ من الاتصالات بين فرد وفرد، أو فرد مع جماعة، أو جماعةٍ مع جماعة.
    2- المرونة Flexibility: ويقصد بها استطاعةُ الإنسان أن يتصرفَ في مجموعةِ ظروفٍ بطريقة واحدة في وقت واحد، وبطريقةٍ مختلفة في وقتٍ آخرَ، وبطريقةٍ متباينة في فرصةٍ ثالثة.
    3- الرموز Symbols: وهي مجموعةٌ من الإشارات المصطَنعة، يستخدمها الناسُ فيما بينهم لتسهيل عمليةِ التواصل، وهي سمة خاصة في الإنسان. وتشملُ عند جورج ميد اللغةَ، وعند بلومر المعاني، وعند جوفمان الانطباعاتِ والصور الذهنية.
    4- الوعيُ الذاتي Self- Consciousness: وهو مقدرةُ الإنسان على تمثّل الدور، فالتوقعات التي تكُون لدى الآخرين عن سلوكنا في ظروف معينة، هي بمثابة نصوصٍ يجب أن نَعيها حتى نُمثلَها، على حدّ تعبير جوفمان.
    ثانيًا: النظرية المعرفية في علم الاجتماع التربوي:
    يُعرّف جورج غورفيتش علمَ اجتماعِ المعرفةِ على أنه: دراسةُ الترابطات التي يمكن قيامُها بين الأنواع المختلفة للمعرفة من جهة، والأطُر الاجتماعية من جهة ثانية. فعلم اجتماع المعرفة يركز على الترابطات الوظيفية القائمة بين أنواع وأشكالِ المعرفة، بحدِّ ذاتها، ثم بينها وبين الأطُر الاجتماعية، مما يكشف عن أن عَصَب المعرفة يَكمنُ في وظائفها.
    أما علمُ اجتماع المعرفة التربوي فيُعرفه يونج M. Young على أنه: المبادئُ التي تقف خلفَ كيفيةِ توزيع المعرفةِ التربوية وتنظيمِها، وكيفيةِ انتقائِها وإعطائِها قيمتَها، ومعرفةِ ثقافة الحسّ العام، وكيف يمكن ربطُها بالمعرفة المقدَّمةِ في المدارس، واعتبارها المدخلَ الحقيقيَّ للتعليم.
    وبناء على ذلك يهتمُّ علمُ اجتماع التربيةِ المعرفي بالبحث في الثقافات الفرعيّةِ داخلَ المجتمع، وعمليةِ التنشئةِ الاجتماعية، وأثرُ ذلك على قِيَم الطفل واتجاهاتِه، ومستوى تحصيلِه الأكاديمي واللُغوي. ويَهتم أيضًا بالبحث في طبيعة العلاقة المتبادلة بين التعليم والتغيّر الاجتماعي، وتحليلِ المدرسةِ كمؤسسةٍ تربوية، معتمدًا في ذلك على استخدام الأسلوبِ السوسيولوجي الدقيق Micro – Sociological Approach(14).
    مصطلحاتُ النظريةِ المعرفية:
    1- نُظُم المعرفة: ويُعنى بها أن المعرفة اجتماعية؛ لأن إنتاج المعرفة ليس عملًا فرديًّا، وإنما هو عمل جماعي.
    2- توزيعُ المعرفة: تأخذ المعرفةُ أشكالًا هرميةً تبعًا لتدرجها في القيمة؛ لأن تميُّزَ بعض المعارف عن بعضها الآخر شرطٌ ضروريٌ لبعض الجماعات، وذلك لكي يكتسب المنتفعون منهم أهميةً وشرعيةً لمكانتهم الاجتماعية العالية.
    3- الموضوعية والنسبية: إن المعيارَ الوحيدَ للمعرفة هو تحسينُ الأوضاع الإنسانية، فالمعرفةُ القائمةُ على السياقات الاجتماعية جاءت لحلِّ مشكلةِ الإنسان.
    4- رأسُ المال الثقافي Cultural Capital: يعرِّفه بوردو على أنه: الدورُ الّذي تلعبه الثقافةُ المسيطرة أو السائدة في مجتمع ما، في إعادة إنتاجِ أو ترسيخ بُنيةِ التفاوت الطبقيّ السّائدِ في ذلك المجتمع.
    ومن أشهرِ ممثلي النظريةِ المعرفية:
    1- مايكل يونج M. Young:
    الذي أَعلنَ مَولِدَ علمِ اجتماع المعرفة التربوية عامَ 1971، في كتابه "علمُ اجتماعِ التربيةِ الجديد". وهو يَرى بأن علمَ اجتماع التربية التقليدي كلِّهِ باءَ بالفشل؛ لأن الباحثين أخَذوا المشكلات مأخَذَ التسليم على أنها مشكلاتُ التربية الجديرةِ بالدراسة، من غير أن يحاولوا فحصَ قيمةِ تلك المشكلات نفسِها، لتبيِّن أهميتَها بالنسبة للتربية. فالمدخلُ الحقيقي للإصلاح هو خلقُ المواقف المشكِلةِ، وأن تضَعَ المعرفةُ التربويةُ نفسَها موضع الشّك والتساؤل، فيتغيّر الجدلُ حولَ قضايا التربية، وتَتولّدُ نظرياتٌ خصبة، وبحوثٌ جديدةٌ في مجال البرامج الدراسية.
    2- برونر J. Bruner:
    الذي تزعّمَ حركةَ العودةِ إلى الأساسيات Back – to Basic – Movement. إثرَ محاولاتِ إصلاح التعليم، بعدَ أزمة سبوتنيك عام 1957م. وكان كتابُهُ الشهير "العملية التربوية" The Process of Education. بمثابة إنجيل إصلاح المنهج في التعليم الابتدائي والثانوي.
    ولبُّ نظرية برونر هو الدعوةُ إلى تجديدِ البُنية الأساسيةِ للتعليم، مع المحافظة على الحواجز بينَ كلِ مادة وأخرى. وهو يعتمدُ على مُسلّمةٍ مُؤَدّاها: أن كلَ الأنشطة العقلية في أي موقع من ميادين المعرفة هي واحدة، مهما تضخّمت المعرفةُ أو تقلَّصت.
    3- بيير بوردو:
    إن المقولةَ الرئيسية التي بَنى عليها بوردو نظريتَه، هي أن الثقافة وسطٌ يتم به، ومن خلاله عملية إعادة إنتاج بُنية التفاوت الطبقي. ويستند بوردو في إثبات هذه المقولةِ وتحليلها إلى نظريتين، هما:
    • مفهومُ رأس المال الثقافي The Cultural Capital.
    • مفهوم الخصائص النفسية The Habitus.
    فالثقافة عند بوردو تَفرضُ مبادئ بناءِ الواقع الاجتماعي الجديد، كما أنها –كأنساق رمزية- هي بمثابة رأسِِ مالٍ قابل للتحول إلى رأسِ مالٍ اقتصادي أو اجتماعي أو أيّ شكل آخرَ من رءوس الأموال المختلفة.
    4- ومن ممثلي النظرية المعرفية في علم الاجتماع التربوي كلٌّ من: فلود Floud، وهالسي Halsey، ومارتن Martin.
    تعقيب:
    إن النظريةَ التفاعليةَ الرمزيةَ، لا تقدّم مفهومًا شاملًا للشخصية، فأصحابُ النظرية وعلى رأسِهم بلومر يقرّون بأن هذه النظرية يجب ألا تُشغِل نفسَها بموضوع الشخصية كما ينشغل بها علم النفس. وهذا سبب واضحٌ، ومبررٌ جوهري على قِلة الاستفادة من هذه النظرية في الميدان التربوي، على الرغم من وجود بعض الأبحاث القليلة المنشورة هنا وهناك.
    كما أن التفاعليةَ الرمزية أغفلت الجوانبَ الواسعةِ للبُنية الاجتماعية؛ لذلك نجدها لا تستطيع قولَ أي شيء عن ظواهرَ اجتماعية كالقوّة والصراع والتغيّر، وأن صياغتَها النظرية مُغرقةٌ في الغموض، وأنها تقدم صورة ناقصة عن الفرد.
    أما فيما يتعلّق بالنظرية الاجتماعية في علم الاجتماع، فيمكن القول بأنها المجالُ السائدُ حاليًا في علم الاجتماع التربوي، وقد انفردَت باسم: "علم الاجتماع التربوي الجديد"؛ لأنها جمعت بين أسلوب البحث الدقيق، باستخدام أسلوب الملاحظة، والملاحظة بالمشاركة داخل الغرفة الصفية، وبين أسلوب البحث الاجتماعي الواسع، الذي اشتمل على قضايا واسعةٍ كالقهر، والصراع، والتغيّر، والحَراكِ الاجتماعي، ودور التربية في ذلك.
    ولعل الدراسةَ التي قامت بها نيلّ كيدّي Nell Keddie. في إحدى المدارس الإنجليزية، بعنوان: "معرفة الفصل المدرسي" من بين الدراسات القليلة التي أُجريَت في إطار هذا الاهتمام بالمعرفة التي توجَد لدى المعلمين حول تلاميذهم، وهي نموذج لاهتماماتِ علم اجتماع التربية الجديد.
    ع3:
    ابن خلدون وابتكار علم الاجتماع
    ج1:
    ابن خلدون وابتكار علم الاجتماع، لراغب السرجاني.
    في مجال العلوم الإنسانية والفكرية كان للمسلمين دور بارز ورائد؛ حيث ابتكروا علومًا راقية تهمُّ الجانب الاجتماعي الإنساني، وكذلك ابتكروا علومًا مهمَّة خاصَّة بالشريعة الإسلامية، وأخرى خاصَّة باللغة العربية.
    تعريف علم الاجتماع:
    يُعَرِّفُ معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية علمَ الاجتماع بأنه: "دراسة وصفية تفسيرية مقارنة للمجتمعات الإنسانية، كما تبدو في الزمان والمكان؛ للتوصُّل إلى قوانين التطوُّر، التي تخضع لها هذه المجتمعات الإنسانية في تَقَدُّمِهَا وتَغَيُّرِهَا".
    موضوع علم الاجتماع:
    يُحَدِّد علماء الاجتماع موضوعه بالظواهر الاجتماعية، التي تظهر نتيجة لتجمُّع الناس معًا، وتفاعل بعضهم مع بعض، ودخولهم في عَلاقات متبادلة، وتكوين ما يُطْلَق عليه الثقافة المشتركة؛ حيث يتَّفِقُ الناسُ على أساليب مُعَيَّنَة في التعبير عن أفكارهم، كما أنهم يتَّفقون على قيم محدَّدة، وأساليب معينة في الاقتصاد، والحكم، والأخلاق، وغيرها.
    وتبدأ الظواهر الاجتماعية بالتفاعل بين شخصين أو أكثر، والدخول في علاقات اجتماعية، وحينما تدوم هذه العلاقات وتستمرُّ، تشكِّل جماعات اجتماعية، وتُعَدُّ الجماعات الاجتماعية من المواضيع الأساسية التي يدرسها علم الاجتماع.
    وهناك موضوع آخر يدرسه علم الاجتماع، يتمثَّل في العمليات الاجتماعية؛ كالصراع، والتعاون، والتنافس، والتوافق، والترتيب الطبقي، والحراك الاجتماعي. كما أن التغيُّر في الثقافة وفي البناء الاجتماعي، أحد ميادين الدراسة في علم الاجتماع، كما أن هناك النُّظُم الاجتماعية، وهي الأساليب المقنِّنة والمقرِّرة للسلوك الاجتماعي، وكذلك الشخصية، وهي العامل الذي يُشَكِّل الثقافة، ويتشكل من خلالها.
    ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع:
    على الرغم من أن التفكير الاجتماعي قديم قِدَمَ الإنسان نفسه، إلاَّ أن الاجتماع الإنساني لم يصبح موضوعًا لعلمٍ إلا في فترة لاحقة، وكان أَوَّل مَنْ نَبَّه إلى وجود هذا العلم، واستقلال موضوعه عن غيره، ووضع أسسه، وابتكره، هو العلاَّمة المسلم ابن خلدون!.
    فقد صرَّح في عبارات واضحة أنه اكتشف علمًا مستقلاًّ، لم يتكلَّم فيه السابقون؛ إذ يقول: "وكأن هذا علم مستقلٌّ بنفسه، فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل؛ وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته، واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم، وضعيًّا كان أو عقليًّا".
    ويقول أيضًا: "واعلم أن الكلام في هذا الغرض مُسْتَحْدَث الصنعة، غريب النزعة، أَعْثَر عليه البحث، وأدَّى إليه الغوص... وكأنه علم مستنبط النشأة، ولعمري! لم أقف على الكلام في منحاه لأحدٍ من الخليقة، ما أدري: ألغفلتهم عن ذلك، وليس الظنُّ بهم؟ أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض، واستوفوه، ولم يصل إلينا؟".
    كما أنه لم يكتفِ بذلك، بل دعا القادرين إلى استكمال ما نقص منه، فقال: "ولعلَّ مَنْ يأتي بعدنا -ممن يُؤَيِّده الله بفكر صحيح، وعِلْمٍ مُبِينٍ- يغوص في مسائله على أكثر مما كتبنا، فليس على مستنبط الفنِّ إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم، وتنويع فصوله، وما يُتَكَلَّم فيه، والمتأخِّرُون يُلْحِقُون المسائل من بعده شيئًا فشيئًا إلى أن يكمل".
    وإضافةً إلى ذلك فإن مقدمته شملت على أقلِّ تقدير سبعة من فروع علم الاجتماع المعاصر، ناقشها ابن خلدون في وضوح تامٍّ.
    ولكن على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من قول عالم الاجتماع النمساوي الشهير جمبلوفتش: "لقد أردنا أن ندلِّلَ على أنه قبل أوجست كونت، بل قبل فيكو الذي أراد الإيطاليون أن يجعلوا منه أول اجتماعي أوربي، جاء مسلم تقيٌّ، فدرس الظواهر الاجتماعية بعقل مُتَّزِنٍ، وأتى في هذا الموضوع بآراء عميقة، وإن ما كتبه هو ما نسمِّيه اليوم علم الاجتماع". على الرغم من ذلك كله، فإن التأريخ لعلم الاجتماع يقف عند الفرنسي كونت باعتباره المنشئ الأول لهذا العلم، ويتجاهل بذلك المؤسِّس الحقيقي لهذا العلم، الذي نبَّه عن وعي وفي وضوحٍ إلى اكتشافه لهذا العلم.
    وقد شهد المنصفون بأن أوجست كونت استمدَّ كثيرًا من آرائه ونظرياته من مقدمة ابن خلدون!.
    فابن خلدون يُمَثِّل نقطة تَحَوُّلٍ في كتابة التاريخ الإنساني، وفي تأسيسه لعلم الاجتماع، قد هزَّ الفكر الإنساني العالمي بذلك؛ إذ وضع خُطَّة جديدة وآراء جديدة، بل وضع قوانين جديدة يمكن تطبيقها، وتنسحب على كل المجتمعات البشرية، انطلاقًا من أنَّ الإنسان لا يعيش إلاَّ في مجتمع، وإذا عاش في مجتمع؛ فلا بُدَّ أن يعيش مع شعب، وإذا عاش مع شعب لا بُدَّ أن يعيش على أرض، ولكي تَظَلَّ العلاقة قائمة بين هؤلاء الناس، أو القبائل، أو الشعب، أو هذه المجموعة البشرية؛ لا بُدَّ من أن ينظِّمَها حاكم؛ وأنواع الحاكم تدرَّجَتْ من حاكم بسيط -شيخ قبيلة- إلى حاكم مُطْلَقٍ، استطاع أن يستخدم كل الوسائل التي هيَّأها له هذا التجمُّع البشري، أو هذا العمران، واستطاع أن يستغلَّ هذا ويصبح هو الحاكم المطلق، وإذا أصبح حاكمًا مطلقًا استطاع أن يؤسِّس دولة، فإذا أسَّس الدولة التي طبَّق عليها ابن خلدون نظريته؛ مرَّت الدولة بمراحل مختلفة، هذه المراحل وجدت صحَّة في التطبيق في واقع الحياة.
    ابن خلدون حياته ونشأته:
    ويهمُّنا هنا أن نُلْقِيَ بعض الضوء على ابن خلدون، منشئ هذا العلم؛ فهو أبو زيد عبد الرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي، مولده بتونس في غرة رمضان (732هـ)، ورحل إلى فاس، وغرناطة، وتلمسان، والأندلس، كما تَوَجَّهَ إلى مصر، حيث أكرمه سلطانها الظاهر برقوق، ووَلِيَ فيها قضاء المالكية، وظلَّ بها ما يناهز ربع قرن (784- 808هـ)، حيث تُوُفِّيَ ودُفِنَ في مقابرها عن عمر بلغ ستة وسبعين عامًا.
    وقد نشأ ابن خلدون في بيت علم ومجد عريق، وحفظ القرآن في وقت مبكِّر من طفولته، وكان أبوه هو معلِّمه الأول، كما درس على يد مشاهير علماء عصره، وقد اتجه إلى الوظائف العامَّة بعد موت عامَّة أساتذته في الطاعون الذي أصاب بلادهم، والتحق بوظيفة كتابيَّة في بلاط بني مرين، ولكنها لم تكن لتُرْضي طموحه، وعَيَّنه السلطان (أبو عنان) -ملك المغرب الأقصى- عضوًا في مجلسه العلمي بفاس، فأُتِيحَ له أن يعاود الدرس على أعلامها من العلماء والأدباء، الذين نزحوا إليها من (تونس)، و(الأندلس)، و(بلاد المغرب).
    ورحل ابن خلدون إلى غرناطة تاركًا أسرته بفاس، ثم عاد إلى وهران بالجزائر؛ ليستقرَّ في قلعة ابن سلامة هو وأهله أربع سنوات، ومن هنا بدأت مسيرته مع كتابه (العبر في ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)؛ لتكون مقدِّمَة هذا الكتاب أول وأشهر مقدِّمة صُنِّفَت في علم الاجتماع، وشئون الاجتماع الإنساني وقوانينه، وقد عالج فيها ما يُطْلَق عليه الآن (المظاهر الاجتماعية)، أو ما أَطْلَقَ عليه هو (واقعات العمران البشري)، أو (أحوال الاجتماع الإنساني).
    مقدمة ابن خلدون:
    بسط ابن خلدون في المقدمة كل ما لديه من علم ومعرفة، فجاءت شيئًا ثمينًا، بل متقدِّمة جدًّا على العصر الذي كُتِبَتْ فيه، وهي تحتوي على ستَّة فصول كما يلي:
    الأول: في العمران البشري: وهي تقابل (علم الاجتماع العام)، وقد درس ابن خلدون ظواهر المجتمع البشري، والقواعد التي تسير عليها المجتمعات.
    والثاني: في العمران البدوي، وقد درس الاجتماع البدوي، كاشفًا أهمَّ خصائصه المميِّزة، وأنه أصل الاجتماع الحضري وسابق عليه.
    والثالث: في الدولة والخلافة والمُلْك: وهو يقابل (علم الاجتماع السياسي)، وقد درس قواعد الحكم، والنُّظُم الدينية، وغيرها.
    والرابع: في العمران الحضري: وهو ما يقابل (علم الاجتماع الحضري)، وقد شرح جميع الظواهر المتَّصلة بالحضر، وأصول المدنية، وأن التحضُّر هو غاية التمدُّن.
    والخامس: في الصنائع والمعاش والكسب: وهو ما يقابل (علم الاجتماع الاقتصادي)، وقد درس تأثير الظروف الاقتصادية على أحوال المجتمع.
    والسادس: في العلوم واكتسابها: وهو ما يقابل (علم الاجتماع التربوي)، وقد درس الظواهر التربوية، وطرق التعلم وتصنيف العلوم.
    كما درس ابن خلدون الاجتماع الديني والقانوني، رابطًا بين السياسة والأخلاق.
    والحقيقة الظاهرة أن أحدًا قبل ابن خلدون لم يَعْرِض لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة تحليلية أَدَّتْ إلى نتائج ومُقَرَّرَات مثل تلك التي أَدَّتْ إليها دراسة ابن خلدون، ذلك أن المفكِّر المسلم الفقيه درس الظواهر الاجتماعية من خلال الإخبار التاريخي السليم، مثلما يدرس العلماء علوم الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والفلك، وهو بذلك يكون أول مَنْ أخضع الظواهر الاجتماعية لمنهج دراسي علمي، انتهى به إلى كثير من الحقائق الثابتة التي تشبه القوانين، وعليه فإن ما توصَّل إليه ابن خلدون من نظريات يظلُّ عملًا رائدًا في ميدان الدراسات الاجتماعية في مسيرة الفكر الإنساني.
    Attached Files Attached Files

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •