إذن يجب التسليم أنَّ عملية الاستقراء والقياس في البحث العلمي كان لها دورها البارز، وكانت عنصرًا رئيسيًّا من العناصر التي اعتمد عليها أرسطو في فكره. إذن القياس لدى أرسطو هو ضرب من الاستدلال الاستنباطي.
فمعنى هذا: لزوم القياس عنده هو لزوم النتيجة من خلال المقدمات التي قدمت إلينا. ونتبين مما سبق أنَّ منهج أرسطو اليوناني القديم كان له أسلوب علمي يلتزم به في البحث والدراسة، فأرسطو لم يعتمد إلى النقل فقط، فكان الاستقراء منهجًا أساسيًّا من المناهج العلمية القديمة؛ وذلك إشارة إلى قدم التراث الفلسفي اليوناني الذي استخدم القضية الكلية التي تندرج أسفلها الجزئيات المدركة إدراكًا حسيًّا أي: تم تجريبها، تم ملاحظتها، تم رصدها بالحدس، وتم تجريبها بصورة حسية، وإدراكها بصورة حسية.
يجدر بنا أن نشير هنا بأنَّ أرسطو قد بدأ بداية علمية بحتة، فالموقف العلمي الأرسطي موقف سابق على أي فيلسوف غيره، نحن نجد في إطار موقفه العلمي أنَّه حصل على العلوم الجزئية المتصلة بالظواهر الطبيعية والبيولوجيا وغيرها؛ لأنه كان يدعو إلى الدقة في التدوين، والملاحظة للوصول إلى الحقائق، وعدم الاعتماد على ملاحظة الآخرين.
ومن خلال ذلك، يتبين لنا دائمًا أنَّ المبدأ المنظم للملاحظات والشواهد يؤكد على جمع الحقائق، وأنَّه لا يعتبر بذاته علمًا، فلا بد أيضًا من التفكير والتدبير والإدراك، وترتيب تلك الحقائق؛ حتى نتمكن من استنباط القاعدة، أو النظرية التي تدل على تلك الحقيقة.
وهذا الموقف وضحه لنا أرسطو كعالم يتمسك بالملاحظة الواقعية التي هي رصد الواقع الذي نعيش فيه.